ف2: شجاعته ونماذج من فكره السياسي

كتاب امام الانسانية .. سيرة حياة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام الصادر عن مؤسسة الامام علي بن ابي طالب (ع) للدراسات للتوثيق

2021.07.27 - 09:59
Facebook Share
طباعة

 شجاعته ونماذج من فكره السياسي
أولاً -بطولاتُه الفكريَّةُ وشجاعتُهُ العسكريَّة:
          خاضتْ قريشٌ حروبًا عُدوانيّةً على المسلمينَ بعدَ رحيلِهِم عنْ مكةَ إلى مدينةٍ أخرى، تقبلتْهُم وآمنَ أهلُها بنبيِّ اللهِ وصاروا مسلمينَ طَواعيّةً ومحبةً وإيمانًا, فكانتِ الحربُ الأولى بسببِ سرقةِ القريشيِّينَ أملاكَ المسلمينَ في مكةَ ومحاولتِهِم بيعَها وبيعَ منْ بقِيَ مِنْ أبناءِ المسلمينَ في سوقِ العبيدِ في الشّام, فمرّتْ قوافلُ قريشٍ الّتي تحوي المسروقاتِ قرب المدينة، في طريقِها إلى البيعِ في الشّام، فتصدّى لها المسلمونَ محاوِلينَ اللّحاقَ بها فكانتْ أولَى المعاركِ،معركةُ بدرٍ الّتي قَتَلَ فيها الإمام عليٌّ وحدَهُ نصفَ فرسانِ المشركين.
          وقدْ كانَ الإمام لا يبدأُ قتالًا، ويعرِضُ على خصومِهِ أنْ يتركوا الحربَ وانْ يختاروا السّلمَ، وكان يحاورُهُم ويُعلِمُهُم أنما هُوَ يقاتلُ للهِ العليِّ القديرِ، لا لشخصِهِ ولا لمجدِهِ، وأن دينَهُ يأمرُهُ بعدمِ ارتكابِ العُدوانِ، ويقبلُ منهمُ السّلمَ إنْ جَنَحوا لهُ وتركوا الحربَ، فإنْ قرّروا العِنادَ وقرّروا استمرارَهُم في العُدوانِ، حينَها فقطْ يقاتلُهُم.
          وقدْ كانَ هُوَ الّذي قَلعَ بابًا في حِصنٍ ضخمٍ يُسمّى "خَيْبَر", وكانَ لا يستطيعُ جماعةٌ مِنَ الناسِ أنْ يحرّكوه، ويُقالُ إنّهُ كانَ يحتاجُ إلى عشرينَ رجلًا لفتحِه.
          وكانَ في ذلكَ الحِصنِ رجلٌ مخيفٌ، يؤمنُ أتباعُهُ بأنّهُ لا يموتُ، وأنهُ سيعيشُ أبدًا، واسمُهُ مَرحَبٌ، وهُوَ فارسُ فرسانٍ مِنْ طائفةٍ قديمةٍ مِنَ اليهودِ الّذينَ قاتلوا المسلمينَ وتآمروا عليهِم مَعَ المشركينَ، مَعَ وجودِ معاهدةِ الأخوّةِ بينَهُم وبينَ المسلمين. وقدْ قتلَ الإمامُ مَرَحبًا الخَيْبَريّ.
          ومِنْ قبلِهِ كان الإمامُ محاصرًا مَعَ المسلمينَ في "يثرب"، التي تحوّل اسمُها إلى "المدينة المنورة"، وجاءتْ قريشٌ بعدَ حربينِ، هما بدرٌ وأُحُد، وقدْ جمعتْ جيشًا ضخمًا بقيادةِ فارسِ فرسانِ العربِ، المدعوّ عمرُ بنُ عبدِ وِدٍّ، الشهيرِ بقاتلِ الألفِ،أيْ أنّه يقاتلُ كأنّه ألفُ رجل.
          وقدْ تحدّى عمرٌو بنُ عبدِ وِدٍّ العامريُّ المسلمين، فهربَ فرسانُهُم عنْ مبارزتِهِ، وهُوَ مازالَ يدعوهُم عشراتِ المراتِ، وبسببِ قوّتِهِ وجبروتِهِ وسمعتِهِ بينَ العربِ لمْ ينازلْهُ أحدٌ، وفي كلِّ مرّةٍ يقِفُ عليٌّ ويقولُ لرسولِ الله "ص": "أنا أبارزُهُ يا رسولَ الله"([1])، حتى أَذِنَ لهُ رسولُ الله - صلواتُ اللهِ عليهِ وآلِه - فانهزمَ العامريُّ، ونعتْهُ شقيقتُه الّتي تفاخرتْ بأنَّ مَنْ قتلَهُ فارسٌ أعظمُ منهُ، ورجلٌ أشرفُ وأنزهُ مَنْ في العربِ، هو عليٌّ بنُ أبي طالبٍ "عليه السلام".
ثانياً - حنكة الإمام علي "عليه السلام" في السياسية:
          فأمَّا خبرته في السياسة، فلا أدل على ذلك من كون الرسول "ص" أمره بتبليغ أوامر شرعهِ إلى جميعِ العرب في موسم الحج، وتلاوتِه عليهم أوائل سورة براءة، ولا أدلُّ عليه أيضاً من كونِه "ص" بعثه إلى اليمن قائداً، فأسلمت همدان كُلَّها, وكثير من أهل اليمن على يديه دونَ حرب, وكان الشيخان "عمر وأبو بكر" يستشيرانه كثيراً في الأمور السياسيَّة, رأيه وتدبيره, فقد أشار الإمام علي على عمر بأن لا يخرج لقتال الفرس حينما شاوره([2]), وقال له: كن في المدينة لتكونَ ردءاً للمسلمين, لذلك عمر يقول: "لا أبقاني الله لمعضلة لا أبا حسن لها"([3]).
           وذكر الإمام الطبري أنَّ فارساً لمَّا تجمَّعُوا بنهاوند في جمع عظيم لحرب المسلمين جمع عمر الناس, واستشارهم في المسير إليهم بنفسه، فأشار عليهِ عامَّة الناس وبعض رجال الشورى بذلك، فأعاد استشارة الناس، فقام إليه علي "عليه السلام" فقال: "أمَّا بعد، يا أمير المؤمنين! فإنَّك إن أشخصت أهل الشام من شامِهم, سارت الروم إلى ذراريهم، وإنَّك إنْ أشخَصتَ أهل اليمن من يَمَنهِم سارت الحبشة إلى ذراريهم، وإنَّك إن أشخصت من هذه الأرض, انتفضت عليك العرب من أطرافها وأقطارِها, حتى يكون ما تدعُ وراءك أهم إليك ممَّا بين يديك من العورات والعيالات، أقر هؤلاء في أمصارهم، واكتب إلى أهل البصرة فليتفرَّقوا ثلاث فرق؛ فرقةٌ في حرمهم وذراريهم، وفرقةٌ في أهل عهدهم حتى لا ينتقضوا، ولتسر فرقةٌ إلى إخوانهم بالكوفة مدداً لهم, إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا قالوا: هذا أمير العرب وأصلها، فكان ذلك أشد لتكالبهم عليك, وأمَّا ما ذكرت من مسير القوم فإنَّ الله هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما عددهم فإنَّا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ولكن بالنصر, فقال عمر: هذا هو الرأي كنت أحب أن أتابع عليه".
          وانتبه يوما معاوية فرأى عبد الله بن الزبير جالسا تحت رجليه على سريره, فقعد فقال له عبد الله يداعبه يا أمير المؤمنين, لو شئت أن أفتك بك لفعلت, فقال لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر, قال وما الذي تُنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصف إزاء علي بن أبي طالب, قال لا جرم أنَّه قتلك وأباك بيسرى يديه, وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها, وجملةُ الأمر أنَّ كل شجاع في الدنيا إليه ينتهي وباسمه ينادي في مشارق الأرض ومغاربها, وأمَّا القوَّة و الرأي فيه يضرب المثل بهما, قال ابن قتيبة في المعارف ما صارع أحدا قط إلا صرعه, و هو الذي قلع باب خيبر, واجتمع عليه عصبةٌ من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه, وهو الذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة, وكان عظيماً جدَّاً, وألقاه إلى الأرض, وهو الذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته بيده, بعد عجز الجيش كلَّه عنها, وانبطَّ الماء من تحتها.
ثالثاً - حلم وصفح الإمام علي "عليه السلام":
          أمَّا الحلم والصُفح, فكان أحلم الناس عن ذنب, وأصفحهم عن مسي‏ء, وقد ظهر صحَّة ما قلناه يوم الجمل, حيث ظفر بمروان بن الحكم و كان أعدى الناس له و أشدَّهم بغضاً فصفح عنه. 
          وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الأشهاد, وخطب يوم البصرة فقال قد أتاكم الوغدُ اللئيم علي بن أبي طالب, وكان علي "عليه السلام" يقول ما زال الزبير رجلا منَّا أهل البيت, حتى شب عبد الله, فظفر به يوم الجمل, فأخذه أسيراً فصفح عنه وقال اذهب فلا أريدك لم يزده على ذلك, و ظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكَّة, وكان له عدواً, فأعرض عنه, ولم يقل له شيئاً, وقد علَّمتم ما كان من عائشة في أمرِه فلمَّا ظفر بها, أكرمها, وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس عمَّمَهنَّ بالعمائم, وقلَّدهن بالسيوف, فلمَّا كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يُذكر به, وتأفَّفت وقالت هتك ستري برجاله وجنده الذين وكَّلهم بي, فلمَّا وصلت المدينة, ألقى النساء عمائمهنَّ وقلن لها, إنَّما نحن نسوة, وحاربه أهل البصرة و ضربوا وجهه, ووجوه أولاده بالسيوف, وشتموه ولعنوه فلمَّا ظفر بهم, رفع السيف عنهم ونادى مناديه في أقطار العسكر, ألا لا يتبع مولى ولا يجهز على جريح, ولا يقتل مستأسر, ومن ألقى سلاحه فهو آمن, ومن تحيَّز إلى عسكر الإمام فهو آمن, ولم يأخذ أثقالهم, ولا سبى ذراريهم, ولا غنم شيئاً من أموالهم, ولو شاء أن يفعل كلَّ ذلك لفعل, ولكنَّه أبى إلا الصفح والعفو وتقبل سنة رسول الله ص يوم فتح مكة فإنَّه عفا والأحقاد لم تبرد والإساءة لم تُنس, ولما ملك عسكر معاوية عليه الماء, وأحاطوا بشريعة الفرات, وقالت رؤساء الشام له اقتلهم بالعطش, كما قتلوا عثمان عَطِشاً, سألهم علي "عليه السلام" وأصحابه أن يشرعوا لهم شرب الماء, فقالوا لا والله ولا قطرة حتى تموت ظمأ, كما مات ابن عفان, فلمَّا رأى "عليه السلام" أنَّه الموت لا محالة, تقدَّم بأصحابه, وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة, حتى أزالهم عن مراكزهم, بعد قتل ذريع سقطت منه الرؤوس والأيدي, وملكوا عليهم الماء, وصار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء لهم, فقال له أصحابه وشيعته أمنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك, ولا تسقهم منه قطرة, واقتلهم بسيوف العطش, وخذهم قبضاً بالأيدي, فلا حاجة لك إلى الحرب, فقال لا والله, لا أكافئهم بمثل فعلهم, افسحوا لهم عن بعض الشريعة ففي حد السَّيف ما يغني عن ذلك, فهذه إن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالا و حسناً, وإن نسبتها إلى الدين والورع, فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله "عليه السلام".
          فأما فضائله "عليه السلام" فإنَّها بلغت من العظم والجلالة والانتشار والاشتهار مبلغاً يسمج معه التعرُّض لذكرها, والتصدي لتفصيلها, فصارت كما قال أبو العيناء لعبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكِّل والمعتمد, رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك, كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر, الذي لا يُخفى على الناظر, فأيقنت أنِّي حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية, فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك, ووكَّلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.
          وما أقول في رجل أقرَّ له أعداؤه وخصومه بالفضل, ولم يمكنهم جحد مناقبه, لا كتمان فضائله, فقد علمتُ أنَّه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها, واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره, والتحريض عليه, ووضع المعايب والمثالب له, ولعنوه على جميع المنابر, وتوعَّدوا مادحيه بل حبسوهم, وقتلوهم ومنعوا من رواية حديث يتضمَّن له فضيلة أو يرفع له ذكراً, حتى حظروا أن يسمَّى أحد باسمه, فما زاده ذلك إلا رِفعةً وسموَّاً, وكان كالمِسكِ كلَّما ستر انتشر عرفه, وكلما كتم تضوع نشره, وكالشمس لا تستر بالراح, وكضوء النهار إن حَجُبَت عنه عين واحدة, أدركته عيون كثيرة.
          وما أقول في رجل تُعزى إليه كل فضيلة, و تنتهي إليه كل فِرقة, وتتجاذبه كل طائفة, فهو رئيس الفضائل و ينبوعها, وأبو عذرها, وسابق مضمارها, ومجلي حلبتها كل من بزغ فيها بعده, فمنه أخذ وله اقتفى, وعلى مثاله احتذى.
          وقد روت العامَّة والخاصة قول الرسول (ص) "أقضاكم علي"([4]) والقضاء هو الفِقه, فهو إذاً أفقههم, وروى الكل أيضا أنَّه "عليه السلام" قال له وقد بعثه إلى اليمن قاضيا, "اللَّهُمَّ اهدِ قلبُه, وثبِّت لسانه", قال فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين.
          وهو "عليه السلام" الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستة أشهر, وهو الذي أفتى في الحامل الزانية, وهو الذي قال في المنبرية صار ثمنها تسعاً, وهذه المسألة لو فكَّر الفرضي فيها فكراً طويلاً لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب فما ظنَّك بمن قاله بديهة واقتضبه ارتجالاً, وإن رجعت إلى الخصائص الخلقيَّة والفضائل النفسانيَّة والدينيَّة, وجدتُه ابن جلاها وطلَّاع ثناياها.
رابعاً - أخلاقه في الحروب:
          لم يبدأِ الإمامُ حربًا، ولا غزا بلدًا ولا اعتدى على أممٍ، ولا أجبر شعبًا على اعتناقِ الدّينِ كما فعلَ من سبقوهُ ومن جاؤوا بعدَهُ،بصفتِهِم خلفاءَ حاكمينَ للدولةِ الإسلاميُّةِ الأولى.
          وقيل: "إنّه لمْ ينهزمْ في معركةِ قطُّ، ولمْ يكرِّرْ ضربةَ قطّ([5]), إذا ضربَ من أعلى قدَّ، وإذا ضربَ من الجانب قطَّ, وفي الحديثِ كانتْ ضرباتُه وِترًا".
          أمّا الشجاعةُ فإنّهُ أشدُّ النّاسِ ملاءمةً في اتّصافِه بها، ذَكَرَ مَنْ كانَ قبلَهُ ، ومحا اسمَ مَنْ يأتي بعدَهُ، ومقاماتُهُ في الحربِ مشهورةٌ، تُضربُ بها الأمثالُ إلى يومِ القيامة، وهُوَ الشجاعُ الذي ما فرَّ قطّ، ولا ارتاعَ مِنْ كتيبةٍ، ولا بارزَ أحدًا إلا قتلَه.
          ففي حربٍ وقعتْ بينَه وبينَ المتسلِّطِ على حُكْمِ بلادِ الشّامِ، المدعوّ معاويةَ بنِ أبي سفيانٍ، في حربٍ سُمّيتْ بمعركةِ صفّين، قبلَ أنْ يبدأَ القتالَ دفعَ الإمامُ "عليه السلام" فرسَهُ إلى مقدّمةِ جيشِ معاويةَ، ثمّ نادى عليهِ ليبارزَهُ، حتّى لا يسقطَ ضحايا مِنَ الجيشينِ فتَحسِمُ الحربَ المبارزةُ بينَ قائدَيْها.
فقالَ أحدُ مستشاري معاويةَ، ويُدعى عَمْرُو بنُ العاص:
"لقدْ أنصفَكَ الرّجل".
 فقال معاويةُ: "ما غشَشْتَني منذُ نصحتَني إلا اليومَ، أتأمرُني بمبارزةِ أبي الحسن، وأنتَ تعلمُ أنّهُ الشجاعُ المُطْرِقُ، أراكَ طَمِعْتَ في إمارةِ الشّامِ بعدي".
أي أنّ معاويةَ يعرفُ أن لا أملَ لأيِّ مبارزٍ بالفوزِ في مواجهةِ عليٍّ "عليه السلام".
فلا يمكنُ أنْ تُوصفُ الشجاعةُ بأكثرِ مِنْ أنّهُ ما هربَ من مُبارِز، وكانَ "عليه السلام" يقولُ :
 ما بارزتُ أحدًا إلّا وكنتُ أنا ونفسُه عليه.
وقيلَ له : يا أميرَ المؤمنينَ ألا تُعِدُّ فرسًا للفرِّ والكرِّ ؟
فقال "عليه السلام": أمّا أنا فلا أفِرُّ ومَنْ فرَّ منّي فلا أطلبُه.
وقيلَ في كتبِ المؤرِّخينَ، المذكورةِ أسفلِ هذا المقالِ، أنّه كانَ - سلام الله عليه - "يُمسكُ بيدِ إنسانٍ حتّى لا يستطيعَ أنْ يتنفّس".
          الهالةُ الّتي أحاطتْ بعليٍّ "عليه السلام" أوْ ما يُعبّر عنه في زمانِا: "الكاريزما", فَهُو أزهدُ النّاسِ باعترافِ عمرٍ بنِ عبدِ العزيزِ الأمويّ، فقدْ قيلَ لهُ: أنتَ أزهدُ النّاس, فقال: لا بلْ أزهدُ النّاسِ الإمامُ عليٌّ بنُ أبي طالب.
          وممّا يُخفيه المؤرخونَ عنِ الإمامِ "عليه السلام" أنّهُ هُوَ الّذي قَلَبَ وأنزلَ الصّنَمَ الكبيرَ"هُبَلَ العظيمَ" مِنْ ظهرِ الكعبة, وكان ذاكَ الصنمُ منحوتًا مِنْ صخرةٍ عظيمةٍ رفعَهَا ثلاثُمِائَةِ رجلٍ لتُنصبَ في الكعبةِ قبلَ قرون.
          وفي حربٍ مَعَ أعدائِهِ احتجّ جيشُه بالعطشِ، لأنّ فُتحةَ نبعِ ماءٍ سُدّتْ بصخرةٍ، ولم تستطعْ كتيبةٌ فتحَ ذاكَ النبعِ، فحمل الإمامُ "عليه السلام"، متوكِّلًا على اللهِ العليِّ القديرِ، الصخرةَ ورماها بعيدًا عنِ الماء, ولمْ تكنْ قوّةُ الإمام الجسديةِ مِنْ عضلاتِهِ، بلْ أتتِ القوةُ مِنْ قوةِ الإيمانِ ومِنْ قوةِ الرّوح.
          وهُوَ قالَ عنْ نفسِهِ: "واللهِ ما خلعتُ بابَ خيبرَ بقوةٍ جسديةٍ، ولكنْ بقوةِ روحيّة"([6]).
          وقيل أنَّه أراد يومًا أنْ يكسرَ قُرصًا من الخبزِ, فلمْ يستطعْ أنْ يكسرَهُ إلا بعدَ الاستعانةِ بيديهِ وركبتِه، فهي قوةُ الرّوحِ، لا قوةُ الجسم([7]).
 
1. النموذج الأوَّل - شعر أخت عمرو بن عبد ود العامري في الإمام علي "عليه السلام":
          هل حدث في التاريخ أن أثنى شخص على قاتل أخيه؟ هو الإمام علي "عليه السلام" الذي قالت فيه أخت عمرو بن عبد ود العامري "واسمها عمرة, وكنيتها أم كلثوم" ترثيه عندما قتل شقيقها في معركة الخندق([8]):
لو كان قاتل عمرو غير قاتله          بكيته أبدا ما دمت في الأبد
لكن قاتله من لا نظير له               وكان يدعى أبوه بيضة البلد
          وروي أنَّ علياً ""عليه السلام", لما قتل عمرو لم يسلبه، وجاءت أخت عمرو, فلمَّا رأته غير مسلوب، قالت من ذا الذي اجترأ عليه, فقالوا ابن أبي طالب فقالت: ما قتله إلا كفؤ كريم، لم يعد موتُه إن كان على يد كفو كريم، لا رقأت دمعتي, إن هرقتها عليه، قتل الأبطال, وبارز الأقران, وكانت منيته على يد كفو كريم من قومه, ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر, وقالت أيضاً في ذلك:
أسـدان في ضـيـق المـكـر تصاولا           وكـلاهمـا كــفــؤ كــريـم  باسل
فتخـالسـا مهج الـنفوس كـلاهما         وســط المــدار مخــاتـل ومقاتــل
وكـلاهمــا حضـر القـراع حفيظة       لم يـثـنـه عـن ذاك شـغـل شـاغـل
فـاذهـب عـلي فـما ظـفرت بـمثله        قـول سـديـد لـيـس فـيـه  تحامـل
والـثـار عـنـدي يـا عـلي فـلـيتني            أدركــه والـعـقـل مـنـي  كـامـل
ذلـت قـريـش بـعـد مقتل فارس               فـالـذل مـهلكها وخزي شـامــل
ثم قالت: والله، لا ثأرت قريش بأخي ما حنت النيب.
2. النموذج الثاني - وصيَّة علي "عليه السلام" لكميل بن زياد:
          عن كُمَيْلِ بنِ زياد النخعي([9]) قال: أخذ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالكوفة بيدي، فأخرجني حتى انتهينا إلى ناحية الجبَّانةِ، فلما أصحَرْنا جلَسَ، ثم تنفَّس الصُّعداءَ، ثم قال:
"يا كُمَيْلُ بنَ زيادٍ، إن هذه القلوبَ أَوْعيةٌ، فخيرُها أوعاها، فاحفَظْ عني ما أقولُ لك: الناس ثلاثةٌ: فعالمٌ ربَّانيٌّ، ومتعلِّمٌ على سبيلِ نجاةٍ، وهَمَجٌ([10]) رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ، مع كلِّ ريحٍ يميلون، لم يَسْتَضيئوا بنور العلم، ولم يَلْجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ.
          يا كُمَيْلُ، العلمُ خيرٌ من المالِ؛ العلمُ يَحرسُك وأنت تَحرُسُ المالَ، والعِلمُ يزكو على الإنفاقِ، والمالُ تَنقُصُه النفقةُ، ومَنفعَةُ المالِ تزولُ بزوالِه.
          يا كُمَيْلُ، محبةُ العالمِ دينٌ يُدانُ بها، العلم يُكسِبُ العالمَ الطاعةَ لربِّه في حياتِه، وجميلَ الأُحدوثةِ بعدَ وفاتِه، وصَنيعةُ المالِ تزولُ بزوالِه، والعلمُ حاكمٌ والمالُ محكومٌ عليه.
          يا كُمَيْلُ، ماتَ خزَّانُ الأموالِ وهم أحياءٌ، والعلماءُ باقون ما بَقِيَ الدَّهرُ، أعيانُهم مفقودةٌ، وأمثالُهم في القلوبِ موجودةٌ؛ هَا إنَّ ها هُنَا - وأشار بيدِه إلى صدرِه – لعلمًا جمًّا لو أَصَبْتُ له حَمَلَة، ثم قال: بلى أصبْتُه لَقِنًا غيرَ مأمونٍ عليه، يستعملُ آلة الدينِ للدنيا، ويَستظهِرُ بحججِ اللهِ على أوليائِه، وبنعمِه على عبادِه، أو منقادًا لأهلِ الحقِّ لا بصيرةَ له في أحنائه، يَنْقدِحُ الشكُّ في قلبِه بأولِ عارضٍ من شبهةٍ، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، أو منهومًا باللذَّات، سلسَ القياد للشهواتِ، أو مغرمًا بجمعِ الأموال والادِّخار، ليسَا من دعاة الدينِ في شيءٍ، أقربُ شبهًا بهما الأنعامُ السائمةُ، كذلك يموتُ العلم بموتِ حامليه.
          ثم قال: اللهم بلَى، لا تخلو الأرضُ من قائمٍ للهِ بحجةٍ إما ظاهرًا مشهورًا، وإما خائفًا مغمورًا؛ لئلا تبطُلَ حججُ اللهِ وبيّناتُه، وكم وأين أولئك؟! أولئك واللهِ هم الأقلُّون عددًا، والأعظمون عند الله قدرًا، بهم يدفع اللهُ عن حججِه؛ حتى يؤدوها إلى نظرائِهم؛ ويزرعوها في قلوب أشباهِهم، هجَم بهم العلمُ على حقيقةِ الأمرِ فباشروا روحَ اليقين، فاستسهلوا ما استَوْعَرَ منه المُتْرفُون، وأَنِسُوا بما استَوْحَشَ منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلَّقة بالمنظرِ الأعلى.
          يا كميلُ، أولئك خلفاءُ اللهِ في أرضِه، ودعاتُه إلى دينِه، هَاهْ، هَاهْ شوقًا إلى رؤيتِهم، وأستغفِرُ اللهَ لي ولك، إذا شئت فقُمْ", وهذه وصيةٌ نافعةٌ ماتعةٌ، قال الخطيبُ: "هذا الحديث من أحسنِ الأحاديث معنًى، وأشرفِها لفظًا، وتقسيمُ أميرِ المؤمنين عليِّ بنِ أبي طالبٍ الناسَ في أولِه تقسيمٌ في غايةِ الصحة ونهاية السَّدادِ؛ لأن الإنسانَ لا يخلو من أحدِ الأقسامِ الثلاثة التي ذكَرَها مع كمالِ العقلِ، وإزاحةِ العِللِ، إما أن يكونَ عالمًا، أو متعلِّمًا أو مُغفلًا للعلمِ وطلبِه، ليس بعالمٍ ولا بطالبٍ له".


[1] - محمد مهدي الحائري, شجرة الطوبى, الجزء الثاني, الصفحة 288, شرح نهج البلاغة, لابن أبي الحديد, الجزء 19, صفحة 63.
[2] - نهج البلاغة : 2 / 29
[3] - المتّقي الهندي في كنز العمّال 5/832 ح 14508 9, وذكره الجرداني في مصباح الظلام: 2/56 ونقل عنه الأميني في الغدير: 6/173, وذكر في إرشاد الساري 3 / 195.
[4] - قال ابن أبي الحديد: «وقد روت العامَّة والخاصة قوله "ص": «أقضاكم عليّ» لاحظ شرح النهج ج ١ / ٢٣, كتاب كشف الغمَّة الجزء الأول, صفحة 263,
[5] - بحار الأنوار العلامة المجلسي، ج109، صفحة 36 .
[6] - ذكر ذلك في أمالي الشّيخ الصّدوق, صفحة 514, المجلس 77 ج10، وانظر الإرشاد: ج1 ص128, وذكره  تاريخ الخميس ج ٢ صفحة ٥١ عن شرح المواقف, وذكر في البحار ج ٢١ صفحة ٤٠ عن مشارق أنوار اليقين, وفي إرشاد القلوب ٢ : ٢١٩.
[7] - ذكر ذلك الشيخ الإربلي، في كشف الغمَّة، ج‏1، صفحة 237, وذكر في أعلام الهداية، الإمام علي بن أبي طالب "ع"، المجمع العالمي لأهل البيت، صفحة 31-32.
[8] - المستدرك على الصحيحين, ٣ / ٣٦ / ٤٣٣٠ وراجع بحارالأنوار: ٢٠ / ٢٦٠, وذكره عباس العقاد في كتابه, عبقريَّة الإمام علي, دار الكتب المصريَّة, وكالة الصحافة العربيَّة ناشرين, 2018م.
[9]-   أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/80 ، والخطيبُ البغدادي في الفقيه والمتفقه 1/182 - 183 رقم 176، والمزي في تهذيب الكمال 24/220, وفي جامع الأحاديث 29/ 276 للسيوطي عزاه لابن الأنباري في المصاحف، والمرهبي في العلم، ونصر في الحجة، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر, انظر: تاريخ بغداد 6/379 - الخطيب البغدادي، تاريخ دمشق 14/18  لابن عساكر، تهذيب الكمال 24/220 للمزي، تذكرة الحفاظ 1/ 11 للذهبي، صفة الصفوة 1/329 لابن الجوزي، وكنز العمال 10/477.
[10] - أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/80 ، والخطيبُ البغدادي في الفقيه والمتفقه 1/182 - 183 رقم 176، والمزي في تهذيب الكمال 24/220, وفي جامع الأحاديث 29/ 276 للسيوطي عزاه لابن الأنباري في المصاحف، والمرهبي في العلم، ونصر في الحجة، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر, انظر: تاريخ بغداد 6/379   للخطيب البغدادي، وتاريخ دمشق 14/18, لابن عساكر، وتهذيب الكمال 24/220 للمزي، وتذكرة الحفاظ 1/ 11 للذهبي، وصفة الصفوة 1/329 لابن الجوزي، وكنز العمال 10/477.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى