ف1 : الامام علي (ع) السيرة والقدوة

كتاب امام الانسانية .. سيرة حياة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام الصادر عن مؤسسة الامام علي بن ابي طالب (ع) للدراسات للتوثيق

2021.07.27 - 09:56
Facebook Share
طباعة


أولاً). مولده:
          وُلدَ الإمام "عليه السلام" في العقدِ الثاني مِنَ القرنِ السابعِ الميلاديّ في جزيرةِ العربِ بمكةَ المكرمة([1])، التي كانت مدينةً صغيرةً وسَطَ محيطٍ مِنَ الصحاري, وكان أهلُهَا مِنَ التّجّارِ الأثرياءِ, والى مدينتِهِم يحجّ سكانُ الجزيرةِ العربيّةِ (المملكة العربية السعودية واليمن وعمان والإمارات وقطر والبحرين والكويت حاليًا)، للتعبّدِ في مكانٍ يسمّى الكعبةَ المشرّفةَ، التي كان العربُ يعتقدونَ - ولا يزالونَ -أنّها مسجدٌ بناهُ النّبيُّ إبراهيمُ وابنُه إسماعيلَ في تلكَ المنطقةِ، قبلَ ثلاثة آلافِ عامٍ مِنَ الميلاد.
          كانَ والِدا الإمام منْ أتباع الدّيانةِ التّوحيديةِ الحَنيفيّةِ، الّتي تتبعُ للنّبيِّ إبراهيمَ، فيما كلُّ العربِ في تلكَ المنطقةِ ومحيطِها كانوا مِنَ الوثنيِّينَ عَبَدَةِ الأصنام، وإن عرفوا اللهَ العليَّ القديرَ إلا أنهم كانوا يعدّون الأصنامَ آلهةً لها سلطةٌ وشراكةٌ مَعَ اللهِ العليِّ القدير.
          وكانَ في مكةَ، وفي الجزيرةِ أيضًا، قلّةٌ مِنَ المسيحيّينَ واليهودِ يعيشون جنبًا إلى جنبٍ مَعَ المشركينَ والوثنيّينَ والأقليّةِ المؤمنةِ بدينِ النّبيِّ إبراهيم.
          ولأنّ النسبَ أمرٌ مُهِمٌّ عندَ العربِ، فقدْ وُلد الإمام من أبويَيْنِ من بني هاشِمَ([2])، وهم نبلاءُ قبيلةِ قريشٍ، التي كانتْ تحكُمُ مدينةَ مكةَ، التي يحجّ إليها كلُّ سكانِ الجزيرةِ العربيةِ, للتعبُّدِ وللتجارةِ أيضًا.
          وكان مولدُهُ "عليه السلام" في جوفِ الكعبةِ، التي هِيَ قِبْلَةُ الإسلامِ الّتي كان العربُ يتوجّهونَ إليها قبلَ الإسلام في صلاتهم، ويتوجّهُ إليها المسلمونَ أيضًا في صلاتِهِم, ولأنّه وُلِدَ في جوفِ الكعبةِ([3])، قبلةِ الإسلام، فقد عدّ نبيُّ الإسلام محمدٍ "ص" وعائلتُهُ الكبيرةُ، بنو هاشم،أنّ في هذا إشاراتٍ خاصّةٍ مِنَ اللهِ العليِّ القدير.
وقال الحافظ ابن حجر: ولد على الصحيح قبل البعثة بعشر سنين، فرُبّي في حجر النبي "ص"، وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، استخلفه النبي على المدينة, وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد([4]).
وجاء في الاستيعاب, لابن عبد البر, علي "ع" أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهو صهر رسول اللَّه "ص" على فاطمة سيدة نساء العالمين، وهو أحد السابقين، وأحد العلماء الربانيِّين، والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، والخطباء المعروفين، وأوَّل من أسلم من الصبيان([5]).
وقال الطبري, وفي سنة ست وثلاثين بعد الهجرة النبويَّة, بويع لعلي بن أبي طالب بالمدينة بالخلافة، بعد مقتل عثمان، فأتاه أصحاب رسول اللًّه فقالوا: لا بد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحداً أحق بهذا الأمر منك، ولا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول اللَّه "ص"، فلما دخل, دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه ثم بايعه الناس([6]).
وقال ابن خياط, وُلد علي بمكَّة في شُعب بني هاشم وقتل بالكوفة([7])، وفي سنة ثمان وثلاثين([8]) بدأ بحروب الخوارج في معركة النهروان، وقام الخوارج باغتياله، فمات شهيداً، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي في مسجد الكوفة بسيف مسموم، عند قيامه إلى الصلاة، وذلك ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، ومات "عليه السلام" غداة يوم الجمعة، وله يوم مات اثنتان وستون سنة([9])، وكانت خلافته خمس سنين، وثلاثة أشهر إلا أربعة عشر يوماً([10]).
ثانياً. تسميتُه:
          سُمّيَ بعليٍّ، وهذا الاسمُ نادرٌ جدًا في العرب، بلْ هناكَ مِنَ المؤرِّخينَ مَنْ يقولُ إنّهُ أولُ مَنْ تَسمّى بِهِ، ولمْ نجدْ إلّا اسمَ عليٍّ بنِ صعبٍ بنِ بكرٍ بنِ وائلٍ مِنْ ربيعةَ يتشبَّهُ باسمِ الإمامِ،ولكن يذكرُ بعضُ المؤرّخينَ أن ملوكَ العربِ الّذينَ استولوا على الدولةِ الإسلاميُّةِ بعدَ وفاةِ الرّسولِ، مِنْ أمثالِ بني أميَّةَ وبني العباس، ألّفوا الأكاذيبَ عبرَ كتّاب استأجروهُمْ وعبرَ مؤرخينَ جنّدوهم، للزّعمِ أنّ هناكَ قبلَ الإمام مَنْ تسمّى بهذا الاسم([11]).
وينقلُ كتّابُ سيرةِ الإمام "عليه السلام" عنْ والدِهِ أبي طالبٍ قولَه: "قدْ سمّيتُهُ بعليٍّ كيْ يدومَ لهُ عزُّ العلاءِ وخيرُ العزّ أدومُه"([12]), وقدْ كانَ الإمام عليٌّ عليًّا في كلِّ شيءٍ إلّا في أمورِ الدنيا الّتي لا قيمةَ لها في نظرِه, وكنَّي علي "عليه السلام" بأبي الحسن، وبأبي ترابٍ؛ وهي كُنيةٌ أطلقها عليه النبي "عليه الصلاة والسلام" حينما وجده راقداً في المسجد وأصاب جسده التراب، بعد أن سقط الرداء عنه، فأخذ النبي يمسح التراب عنه، مردداً: (قُمْ أبَا تُرَابٍ، قُمْ أبَا تُرَابٍ)([13]).
ثالثاً - زواجُه:
          في سنواتِ الإمامِ عليٍّ الأولى عاشَ مع والديه، ولكنْ حينَ بلغَ الثامنةَ مِنْ عُمُرِهِ أُصيبَ والدُهُ بانتكاسةٍ ماليةٍ، وأصبحتْ أوضاعُهُ صعبةً جدًّا، ولمْ يستطعْ إعالةَ أبنائِهِ الكُثُر، فتوزّعَ إخوةُ أبي طالبٍ وابنُ شقيقِهِ النبيِّ محمدٍ أولادَ أبي طالب، وكانَ الإمامُ منْ نصيبِهِ العيشَ ربيبًا للنبيِّ محمدٍ، ينامُ في حِجْرِهِ ويتربّى في بيتِهِ, فلمَّا نزلَ الوحيُ الإلهيُّ على رسولِ اللهِ في غار حراء في جبل النور قرب مكة، وكان الإمامُ عليٌّ أوّل المؤمنين به من الذكور, بعد السيدة خديجة بنت خويلد.
           ولأنّهُ كاتبُ وحيِ اللهِ العليِّ القديرِ، ولا أحدَ سواهُ عرفَ تفسيرَ آياتِ القرآنِ كاملةً، كما تلقّاها مِنْ رسولِ اللهِ- صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وآلِهِ - فقدْ كان حتى زواجُهُ مميّزًا، إذْ كانَ فقيرًا جدًّا وعاملًا مياوِمًا يعيشُ منْ كدِّ يمينِهِ، ولمْ يكنْ تاجرًا أو مالكَ ثروة، وفيما تقدمَ لخِطبةِ ابنةِ رسولِ اللهِ، السيدةِ العظيمةِ فاطمةَ- عليها السلامُ-،أكابرُ المسلمينَ منْ زعماءَ وأثرياءَ، رفضَهم رسولُ اللهِ جميعًا، وكان ردُّهُ الوحيدُ أنّه ينتظرُ أمرَ الله في زواجِها، لتتزوجَ– بأمرِ اللهِ تعالى –عليًّا الفقيرَ، الذي باعَ درعَهُ التي يحمي بها نفسَهُ في الحروبِ،لكيْ يقدِّمَ ثمنَهُ مهرًا لزوجِهِ، وقد كانتِ ابنَةَ الحاكمِ والآمرِ النّاهي في يثربَ في تلكَ المرحلةِ، ومع هذا تزوجتْ عليًّا "عليه السلام"، لأنّهُ الأطهرُ والأتقى، لا لأنّه الأغنى، وقد كانَ هذا الأمرُ تدبيرًا مِنَ اللهِ العليِّ القديرِ حتّى تنحصرَ ذريَّةُ النبيِّ–عليه صلاةُ اللهِ وسلامُه وعلى آلِه–في أبناءِ الإمامِ والسيدةِ فاطمةَ، فلمْ يعِشْ أيٌّ مِنْ أولادِ النّبيِّ، الذكورِ والإناث، إلا فاطمة، وكلُّ ما يُقالُ عن بناتٍ لرسولِ اللهِ فإنهنّ لَسْنَ بناتِهِ، بلْ بناتِ زوجاتِهِ، وابنتُهُ الوحيدةُ هي ابنةُ السيدةِ خديجةَ بنتِ خويلدٍ، السيدةُ فاطمةُ الزهراء، زوجةُ الإمامِ عليٍّ "عليه السلام".
رابعاً _ إيمانه برسالة النبي محمد "ص":
          هوَ أولُ مَنْ آمنَ بالرسولِ على الإطلاق، وتربَّى في منزلٍ مؤمنٍ باللهِ الواحدِ العليِّ القديرِ، لكنْ كلُّ البيئةِ المحيطةِ بهِ كانتْ وثنيّةً تعبدُ الأصنام، إلَّا أنّ الإمامَ "عليه السلام" لمْ يسجُدْ لصنمٍ قطّ([14])، ولهذا يقولُ المسلمونَ بعدَ ذكرِ اسمِهِ: "كرّم اللهُ وجهَه"، لأنّه صانَهُ عنْ عبادةِ الصنمِ في بيئةٍ وثنيّة.
خامساً _ مقام والدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف القرشيَّة الهاشميَّة عند النبي "ص":
          خلع نبي الأمَّة قميصه ليكفِّن به السيدة فاطمة بن أسد, ولمَّا أنزلت بقبرها, أخذ يحفُر ويوسِّع التراب بيده, واضجع في قبرها, وقيل توسَّد القبر, وخرج وعينه تفيض من الدمع عليها([15]), دعا لها بأن تبعث وهي كاسية, فهي مكفَّنه بقميص نبينا "صلى الله عليه وسلم", ولمَّا سوَّى عليها التراب قال بعضهم: يا رسول الله، رأيناك صنعت شيئًا لم تصنعه بأحدٍ، فقال: "إِنِّي أَلْبَسْتُها قَمِيصِي لِتَلْبَس مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ، وَاضْطَجَعْتُ مَعَهَا فِي قَبْرِهَا لَيُخَفَّف عَنْهَا مِن ضَغْطَة الْقَبْرِ، إنَّها كانت أحسن خلق الله صنيعا بي بعد أبي طالب".
          إنَّها زوجة أبو طالب عم النبي, وأم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب عليه السلام، كان النبي يعيش في كنف جده عبد المطَّلب, حتى الثامنة من عمره وتحديدًا عندما توفيِّ جدَّه أنتقل لبيت عمه أبو طالب, ‏فاحتضن هذا البيت النبي عليه الصلاة والسلام, واحتضنته امرأة عظيمه, وهي فاطمة بنت أسد, فاعتبرته أحد أبنائها, بل وأكثر, وفي بعض الروايات أنَّها كانت تُحب النبي أكثر من أبنائها! فعندما توفيِّ عبد المطلب جاء أبو طالب لفاطمة وقال لها:
"‏اعلمي أنّ هذا ابنُ أخي، وهو أعزّ عِندي من نَفسي ومالي، وإيّاكِ أن يتعرّض علَيه أحدٌ فيما يُريد، فتبسّمت من قوله وقالت له: توصيني في وَلدي محمَّد، وإنّه أحبُّ إليَّ من نفسي وأولادي؟! ففرح أبو طالب بذلك"([16]).
          ‏وبعدها اعتَنَت فاطمةُ بالنبي صلى الله عليه وسلم عناية فائقة، وأولَتْه رعايتها وحبَّها، وكانت تُؤثِره على أولادها في المطعم والملبس, لأنَّها كانت تقدر أنَّه يتيم, فكانت تعطيه أشياء واهتمام أكثر من أبنائها عليه السلام, فإذا احتاج النبي أمرًا كانت تلبيه مباشرة فنعمَ الأُمِّ كانت.
          ‏وكانت أيضًا تغسِّله بالماء وتدهن شَعره وتُرجّله وتطيبه، وكان النبي يحبَّها ولا يناديها إلاّ بـ"أمِّي" لأنَّه لم يلاقَ اهتمام كهذا([17]), إلا من أمَّه فاطمة بنت أسد, وكانت تجمع له الطعام إذا كان خارج المنزل, فإذا رجع يكون نصيبه محفوظ.
          ‏ومن شدَّة حبَّها بالنبي عليه الصلاة والسلام, حتى عندما تزوج السيدة خديجة, دفعت إليه بفلذة كبدها ابنها علي بن أبي طالب, ليكون في ولايته صلى الله عليه وسلم, بعد زواجه من أم المؤمنين خديجة عليه السلام، فكيف ردَ لها النبي عليه الصلاة والسلام جزء من أفضالها؟
          و‏تُشير بعض الكتب الإسلاميّة إلَّا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام سمى ابنته فاطمة على اسم هذه المرأة العظيمة, التي كان يناديها بأمِّي, فسمَّى بنته وسيدة نساء أهل الجنَّة فاطمة عليها السلام على أسمها من شدة حبهِ لها.
          ‏وفي مرَّة من المرَّات أُهدي للنبي حلَّة من استبرق, بمعنى ثوب من الحرير فقال عليه الصلاة والسلام "اجعلها خُمرًا بين الفواطم، فشقَّها أربعة أخمرة، خمارًا لفاطمة الزهراء، وفاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب، والرابعة قيل إنَّها فاطمة بنت شيبة بن عبد شمس زوج عقيل بن أبي طالب".
‏          أسلمت فاطمة بنت أسد بعد وفاة زوجها أبي طالب، ثم هاجرت مع أبنائها إلى المدينة, ‏وكانت رضي الله عنها راويةً للحديث؛ روت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ستَّةً وأربعين حديثًا, وكانت امرأةً صالحة، وذات صلاحٍ ودين، فكان النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم يزورها وينام في بيتها بعض الأحيان.
          ‏وفي السنة الخامسة من الهجرة, توفَّت فاطمة بنت أسد رضي الله عنها فحزن النبي عليها حزنًا شديدًا، وروى ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّه لمـَّا ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب عليه السلام, خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه وألبسها إياه واضطجع معها في قبرها, ((مكرر))
          سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يبعث الناس يوم القيامة عراة, فقالت: وا سوأتاه, فقال لها "ص": إني أسأل الله أن تبعثين كاسية.
          ‏وعن أنس بن مالك عليه السلام أنَّه قال: لمـَّا ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي رضي الله عنهما, دخل عليها رسول الله فجلس عند رأسها فقال: "رحمك الله يا أمي كُنتِ أمي بعد أمي، تجوعين وتشبعيني, وتعرين وتكسيني, وتمنعين نفسكِ طيبا وتطعميني, وتريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة"([18]).
          ‏وقال: "اللهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ اغْفِرْ لِأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ وَلَقِّنْهَا حُجَّتَهَا وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ".
سادساً _ بلاغتُه:
          حتى يومِنا هذا، لا يزالُ المفكرونَ جيلًا بعدَ جيلِ ينبهرونَ بأخلاقِ الإمام عليٍّ "عليه السلام" وببلاغتِهِ وفصاحتِهِ وإنسانيتِه, وتُنسبُ إليهِ أربعُ مائةٍ وثمانونَ خطبةً، بينَ قصيرةٍ وطويلةٍ، كان يُوردُها على البديهة.
          وقد جمعَ الشاعرُ والعالمُ المعروفُ، الشريفُ الرّضيُّ، خُطَبَهُ وإنتاجَهُ في كتابٍ معروفٍ باسمِ "نهج البلاغة"، وقسّمَه إلى ثلاثةِ أجزاء: الأوَّلُ والثاني جمعَ فيهما خطبَه فقط، وفي الجزءِ الثالثِ جمعَ حِكَمَهُ وأجوبةَ مسائلِهِ ورسائلِهِ, ومن البديهيّ أن جمعَ الخطبِ والحِكَمِ شيء، وتوثيقَها والتأكّدَ منْ أنّها كلُّها للإمامِ "عليه السلام" شيءٌ آخر.
          بعدَ ذلِك، أتى ابنُ أبي الحديدِ، المتوفى في السنةِ الّتي دُحرَتْ فيها بغدادُ على يدِ التّتار سنة ٦٥٦ هجرية (١٢٥٨م)، وكانَ الخليفةُ المستعصمُ هاربًا، وكانَ لهُ وزيرٌ يُدعى مؤيّدُ الدين العلقميّ، فطلبَ مِنْ ابنِ أبي الحديدِ، وشجّعَهُ على أنْ يشرحَ"نهجَ البلاغةِ"، فأنفق أربعَ سنواتٍ كاملةٍ في كتابةِ شرح آثارِ الإمامِ عليٍّ بنِ أبي طالب.
سابعاً _الفدائيُّ الأولُ في الإسلام:
          قبلَ أنْ يتحوّلَ العربُ طواعيةً إلى الإسلام، لا عبرَ الغزوِ والعُدوان، كان النبيُّ ومنْ مَعَهُ في مكّةَ لا يزيدون على مئةِ شخص،أغلبُهُم مِنَ الرقيقِ المستعبَدينَ ومِنَ الضعفاءِ والفقراءِ وبضعةٍ من عائلتِهِ النبيلةِ، بني هاشم، وهم قلّةٌ قليلة جدًا, لذا، خيّرت قريشُ، القبيلةُ الثريّةُ والغنيّةُ، النبيَّ بينَ جعلِهِ ملكًا عليهم ومنحِه الأموالَ، شرطَ التنازلِ عن الدعوةِ إلى اللهِ، وبينَ أنْ يُقتلَ أو يطردَ أو يُحاصَر.
          وقدْ قرّرتْ قريشُ، بعدَ سبعِ سنواتٍ مِنْ بدْءِ الرّسولِ الدعوةَ لرسالتِه في مكةَ،أن تطردَ النبيَّ إلى جبلٍ قريبٍ يملكُ قطعةَ أرضٍ فيهِ عمُّه أبو طالبٍ، والدُ الإمامِ عليّ، وحوصرَ النبيُّ ومَنْ مَعَهُ مِنَ المسلمينَ الأوائلِ في تلكَ الأرض التي لا ماءَ فيها ولا زرعَ ولا طعامَ ولا طيورَ، وكانوا قرابةَ مئةِ شخصٍ مَعَ عوائلِهِم، قررتْ قريشُ أن تقاطعَهُم في أوّلِ عقوبةٍ اقتصاديةٍ في التاريخ ربما،فلا تبيعُهم شيئًا ولا تشتري منهم, وقد كانَ الإمامُ "عليه السلام"، وهو فتًى لمْ يتجاوزِ العقدَ الثانيَ بعد، ينزِلُ منَ الجبلِ إلى المدينةِ مخاطِرًا بنفسِه مَعَ آخرينَ لنقلِ الماءِ والطعامِ إلى المحاصَرينَ في شُعَبِ أبي طالب, وعلى هذِهِ الحالِ، بقيَ المسلمونَ الأوائلُ ثلاثَ سنواتٍ، كان النبيُّ فيها معرَّضًا للقتلِ والاغتيالِ بشكلٍ يوميّ، يترصدُهُ قتَلَةٌ مأجورون تابعون لقادةِ قريشٍ، المتخوِّفينَ مِنَ النّبيّ، لأنّهم سيخسرونَ تجارتَهُم لوْ آمنَ العربُ، ومُنعَت عبادةُ الأصنامِ, فكلُّ العربِ يزورونَ مكةَ لعبادةِ الأصنامِ، فإنِ انتصرَ الإسلام ونبيُّهُ سيتوقفُ العربُ عن زيارةِ مكةَ وتتوقفُ تجارةُ قريشٍ، هذا ما ظنّهُ سادةُ قريشٍ وأثرياؤُها.
          وقدْ سجّلَ التاريخُ أنَّ الإمام عليًّا ابنَ أبي طالبٍ "عليه السلام"، كانَ في سنواتٍ ثلاثةٍ منَ الحصارِ، يتبادلُ مَعَ شقيقيهِ، جعفرٍ وعقيلٍ، النّومَ في فراشِ النّبيّ حتَى يخدعوا مَنْ يتجسّسُ على النّبيّ بهدفِ قتلِهِ ليلًا.
          حتّى انقضى الحصارُ وحانَ بعدَهُ وقتُ الرّحيلِ عن مكةَ إلى مدينةٍ أخرى، وكانتْ قريشٌ قدْ جهّزتْ فِرْقةً لاغتيالِ النّبيِّ مؤلَّفةً من فرسانٍ من قبائلَ شتى حتّى يضيعَ دمُهُ بينَ القبائلِ، فلا يدري أهلُه ممّنْ يطلِبون ثأرَه، على عادةِ العربِ في الانتقامِ ذاكَ الزمان.
          وفي ليلةِ هجرةِ الرّسول - صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وآلِه - من مكةَ إلى "يثربَ" عبرَ الصحراءِ، بات الإمام عليٌّ في منزلِ النّبيِّ وعلى فراشه ليفديَهُ، في حادثةِ الهجرةِ المشهورة، حتى نُقل عن النبيّ الأكرمِ قولُه إنّ الملائكةَ كانتْ تتعجبُ من شجاعةِ عليًّ "عليه السلام", وقال أمير المؤمنين, بذكر مبيته على فراش رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم:
وقيت بنفسي خير من وطىء الحصى            ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول إله خاف أن يمكروا به                            فنجّاه ذو الطول الإله من المكر
وبات رسول اللَّه في الغار آمناً                      موقّىًوفي حفظ الإله وفي ستر
وبتّ أراعيهم ولما يشوشني                  وقد وّطنت نفسي على القتل والأسر
          ونزل قوله تعالى في حقّ الإمام عَلِيّ بن أبي طالب "عليه السلام": "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ"([19]).
ثامناً - علي بن أبي طالب الإنسان والإنسانيَّة:
إنَّ القيمة عند الإمام علي "عليه السلام" كانت للإنسان الذي يمثل هدف الحياة؛ وبالتالي فإنَّ كل موارد الحياة هي في خدمته، وتَدورُ في إطار حياته الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة؛ إذ لا توجد عند الإمام "عليه السلام" قيمة تمايز أخرى، كالعشائريَّة والعنصريَّة والطبقيَّة، فيقول "عليه السلام": "الذليل عندي عزيز, حتى آخذ الحق له, والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه", ويقول "عليه السلام" أيضاً: "النَّاس صنفان, إمَّا أخٌ لك في الدِّين, أو نظيرٌ لك في الخلق", إنَّه حضور إنساني كبير, في قلب استوعب الجميع, فدافع عن الفقير والمظلوم والمسلم والمسيحي والأبيض والأسود.
الإمام علي دافع عن معارضيه, فأخذوا يتآمرون عليه وهم في حمايَته، وهو يعلم أنَّهم يتآمرون عليه؛ لأنَّه "عليه السلام" لا يسبق الجناية بالعقاب، وبذلك رسم الإمام "عليه السلام" منهجاً سياسيَّاً يحفظ ويحمي للإنسان حريَّتَه في التعبير عن رأيه, والوصول إلى الحق باختياره، إذ لم تكن السياسة عنده "عليه السلام" إلا مبادئ أخلاقيَّة وإنسانيَّة ودينيَّة، وليست وسيلة نفعيَّة تبرَّر فيها الغاية الوسيلة، فلم يكن "عليه السلام" ليضحي بهذه المبادئ ولو كانت تؤدي إلى شهادته، لأنَّها الأصل الذي يَهدف إلى امتداد القيم وترسخها في عمق ضمير التاريخ البشري.
كان زهده "عليه السلام" هو نزع لكل عوامل النفوذ والقوَّة, التي تحرِّك في الإنسان عناصر الجشع والطمع والطغيان؛ فبهذا الزهد الخالص يصبح الحاكم منسجماً مع الحق الإنساني متصادماً مع النزوع نحو أهواء الباطل؛ فالسُّلطة النهمة تؤدي إلى الفساد السياسي والاستبداد المطلق والعنف الدامي, وزهده "عليه السلام" قمَّة الواقع التطبيقي لحاكم عادل تتمثل فيه المبادئ التي تصبح رمز قوته في بناء السعادة والعدالة الإنسانيَّة؛ يقول"عليه السلام": "أأقنع نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدَّهر؟ أو أكون أسوةً لهم في جشوبة العيش؟ فما خُلقت ليشغلني أكل الطيِّبات كالبهيمة المربوطة همَّها علفها، أو المرسلة شغلها تقمِّمَها تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها", ويقول "عليه السلام" أيضاً: "وإنْ دُنياكُم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضُمَها، ما لعلي ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى, نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزَّلَلَ وبه نستعين".
في قراءتنا لتاريخ أمير المؤمنين "عليه السلام" بدقَّة وموضوعيَّة وتجرُّد يمكن أن نكتشف المنهج السياسي الإنساني المُنصف للجميع دون تمييز لفئة على فئة؛ فهو الذي رفض المبايعة من طريق المساومة على المبادئ، لأجل حصد الأنصار المتدافعين على المصالح السلطويَّة، فهو منهج إنساني يحمي المظلوم، ويُدافِع عن حقوق الإنسان في الأمن والحريَّة، ولا يمارس سياسة القوَّة من أجل فرض الإكراه القانوني لتحقيق الضبط السياسي في الدولة.
إذاً يمكن للإنسانيَّة عندما يتراكم فيها ويرتفع المستوى الفكري، وتنضج عقلانيَّتها، أن تفهم بعد مرور آلاف السنين، وتناوب الحضارات، منهج الإمام علي "عليه السلام" في الحكم والحياة، إذ هو وجد في زمن لا يستوعبه وفي حدود تقصر العقول الضيقة عن فهمه.
تاسعاً - وصيَّة الإمام علي "عليه السلام":
          وممَّا جاء في وصيَّته: "وأن لا تسخر من أحد من خلقِ الله، وأن تَصبٍرَ على البلاء والمُصِيبة، وأن تشكر نِعَمَ الله التي أنعم بها عليك، وأن لا تأمن عقاب الله على ذنبِ تُصيبَهُ، وأن لا تقنط من رحمةِ الله، وأن تتوبَ إلى الله عز وجل من ذنوبك, فإنَّ التائب من ذنوبه كمن لا ذنب له، وأن لا تصر على الذنوب مع الاستغفار, فتكونَ كالمستهزئ بالله وآياتهِ ورسلهِ، وأن تعلم أنَّ ما أصابكَ لم يكن ليخطِئكَ, وأنَّ ما أخطأك لم يكن ليصيبَكَ، وأن لا تَطلب سخط الخالِق برضى المَخلُوق، وأن لا تؤثِر الدُّنيا على الآخرة, لأنَّ الدنيا فانيةً والآخرةُ باقيةٌ، وأن لا تبخل على إخوانك بما تقدر عليهِ، وأن يكون سريرتك كعلانيَّتَك، وأن لا تكون علانيَّتَك حسنةً وسريرتُك قبيحة, فإنَّ فعلت ذلك كنت من المنافقين".


[1] - ورد في مروج الذهب الجزء 2 صفحة 2, تأليف أبي الحسن المسعودي الهذلي، وتذكرة خواص الأمة صفحة 7 وسبط ابن الجوزي الحنفي، والفصول المهمة صفحة 14, وإبن الصباغ المالكي، والسيرة النبويَّة صفحة 150 لنور الدين علي الحلبي الشافعي، وشرح الشفا ج 1 صفحة 151 الشيخ علي القاري الحنفي.
[2] - ورد في أسد الغابة 4 : 100، وإعلام الورى للطبرسي 1 : 306، تحقيق مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ط1 | 1417هـ ، والإرشاد للشيخ المفيد 1 : 6، وتحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث, قم.
[3] - أنظر إعلام الورى 1 : 306 ، وإرشاد المفيد 1 : 5، وعليٌّ وليد الكعبة للأوردبادي: منشورات مكتبة الرضوي، وكشف الغمَّة للعلأَمة المحقِّق الأربلي 1 : 5.
[4] - الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، 2/ 507، وانظر: تاريخ الخلفاء، صفحة 166.
[5] - الاستيعاب لابن عبد البر، 3/ 1093.
[6] - تاريخ الطبري، 2/ 696.
[7] - تاريخ خليفة بن خياط، صفحة 199, وإن اختلاف العلماء الكبير في عمره يوم أسلم، أدى فيما يبدو إلى عدم تطرقهم كثيراً إلى عام مولده.
[8] - المرجع السابق، ص: 197.
[9] - وقد سبق ترجيح ابن حجر أن ولادته كانت قبل البعثة بعشر سنين، فعلى هذا يكون عمره إحدى وستين سنة، والعلم عند اللَّه تعالى.
[10] - مشاهير علماء الأمصار، لابن حبان، صفحة 6.
[11] - كتاب المؤرخِ الأندلسيّ في سيرةِ الإمام علي بن أبي طالب "عليه السلام".
[12] - انظر المناقب: ج2 صفحة 174 فصل, في آثار حمله وكيفية ولادته, "عليه السلام".
[13]- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن سهل بن سعد الساعدي، الصفحة أو الرقم: 6280، صحيح.
[14] - الانتصار, للعاملي, الجزء 6, الصفحة 23.
[15] - رواه الطبرانى في المعجم الأوسط 7/87/6935، وأبو نعيم في معرفة الصحابة 1/76/289, جميعاً من طرق عن الحسن بن بشر البجلي ثنا سعدان بن الوليد بيَّاع السابِري عن عطاء بن أبي رباح.
[16] - العلامة المجلسي, بحار الأنوار: ج15، صفحة 383.
[17] - العلامة المجلسي, بحار الأنوار: ج35، صفحة 83، ج26.
[18] - الهيثمي, مجمع الزوائد, الجزء 9, الصفحة 256.
[19] - ذكر قصّة مبيت الإمام عليّ ع - في فراش النبي "ص" عدد كبير من العلماء والمؤرّخين منهم: الطبري: 2/99 , وأحمد بن حنبل في مسنده:1/ 313، وأسد الغابة:4/45 وابن عساكر في تأريخ دمشق 137/1،   والحاكم في المستدرك 3/4، وبحار الأنوار, 19/60.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى