معركة خيبر و الإمام علي عليه السلام

2020.09.24 - 10:34
Facebook Share
طباعة

لمحة تاريخيَّة:
حين وقع النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه مع اليهود والمسيحيين في المدينة وجوارها من بلاد الحجاز التي تقع اليوم فيما يسمى " المملكة السعودية" كان الخطر الذي يتهدد المجتمع المسلم في المدينة المنور يأتي من طرفين هما قريش في مكة، وقبائل نجد المتوحشة التي تقع اليوم فيما يسمى المملكة السعودية وكانت في ذلك التاريخ ارض بدو وقليل منهم يعيش في بيوت ثابتة. لذا كانت عاداتهم خليط من النبل وحسن الضيافة والشهامة والكثير من الوحشية والغدر وحب النهب والسلب والغزو.
 
لذا شارك النجديون قريشا في غزوة " الخندق" لكن المفاجأة التي لم يحسب النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه حسابه هو غدر يهود المدينة وجوارها مثل يهود حصن خيبر ونقضهم للمعاهدة بينهم وبين المسلمين وغدرهم بهم وتمويلهم وتسليحهم للقبائل التي حاولت ابادة المسلمين في غزوة الخندق.
 
ولان الاعراف اليهودية تحكم العلاقة بين المسلمين واليهود بطلب من اليهود فقد اقيمت لمن غدروا جلسة تحكيم عين فيها النبي صديقا لليهود ليحكم فيهم بما يقرره دينهم.
 
ولما كانت "خيبر" هي وكر الدسائس والتآمر، ومركز الاستفزازات العسكريَّة، ومعدن التحرُّشات وإثارة الحروب وكانت ترفض الحوار والسلم وتسعى لاقامة الاحلاف مع المشركين من عبدة الاوثان ضد الموحدين المسلمين، كانت هي الجديرة بدرء خطرها من خلال فرض المسلمين عليهم النزول في جانب السلم او تحمل تبعات الحرب.
 
وكان يهود خيبر ممَّن حرّض القبائل العربيَّة ضدّ المسلمين في غزوة الخندق، وبذلوا الأموال في ذلك، فقرَّر رسول صلى الله عليه وسلم العزم على معاقبتهم بما يأمر به دينهم فحاصرهم في حصونهم ومعاقلهم المنيعة في خيبر، وكان ذلك في السنة السابعة للهجرة اي في العام 629 ميلادية.
 
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بروح إيمانيَّة عالية، مخلصين لله موقنين بالنصر، مستبشرين بالرفعة التي وعدهم الله إيَّاها.
 
لم يسمح النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين وضعفاء الإيمان الذين تخلفوا في الحديبيَّة بالخروج معه، فلم يخرج معه إلا أصحاب الشجرة.
 
وقال الحفاظ بن حجر: "قدم المسلمون خيبر، وروحهم المعنويَّة كأفضل ما يكون، سموًا وبذلًا وتضحيةً في سبيل الله، فقد جمع صلى الله عليه وسلم جيشه وتكتّم على مسيره، وخرج من المدينة في ألف وستمائة مقاتل من المسلمين، وسلك طرقاً تحفظ سريَّة تحرُّكِه، فلم يشعر اليهود الخيبريون إلاّ وجيش المسلمين نزل بساحتهم ليلاً.
وحين تفاجئُوا بقوَّات المسلمين، تشاوروا فيما بينهم واتّفقوا على القتال فأدخَلوا نساءهم وأولادهم وأموالهم في بعض الحصون، وأدخلوا ذخائرهم في حصون أُخرى, وبعد محاولات عديدة من قبل المسلمين لاقتحام الحصن فلم يتمكّنوا من ذلك، عندها قال:
 
لاعطين غدا راتي لرجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. فصار المسلمون يغبطون ذاك الرجل قبل ان يعرفوا من هو.
 
وفي اليوم التالي طلب الرسول عليا وكان مريضا برمد في عينيه.
 
فجاء وتلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم امرا بقيادة الهجوم.
وبالفعل خرج عليّ عليه السلام ومعه المقاتلون المسلمون فدار قتال بينهم وبين اليهود على أبواب الحصن، وقتل علي عليه السلام وهو من أبطال اليهود وصناديدهم، فاستولى الخوف على اليهود والتجأوا إلى الحصن وأغلقوا بابه، وكان من أمنع الحصون وأشدّها وقد حفروا حوله خندقاً يتعذّر على المسلمين اجتيازه، فاقتلع الامام باب الحصن، وجعله جسراً فعبر عليه المسلمون، فاستسلم اهل خيبر بعدما قتل الامام اشد ابطالهم قوة وبطشا، فطلب من خلفهم العفو من النبي صلى الله عليه وسلم وحصلوا عليه وبقوا في ديارهم يزرعونها ويتقاسمون غلالها.
 
وعاد علي عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم منتصراً ظافراً، وفي هذه الأثناء وصل جعفر بمن معه من المهاجرين من الحبشة، فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "ما أدري بأيّهما أنا أسرُّ بفتح خيبـر أم بقدوم جعفر", وورد في "حلية الأبرار:, قال علي عليه السلام : "فخررت ساجداً لله تعالى وحمدته على ما أنعمه عليّ من الإسلام والقرآن، وحبّبني إلى خاتم النبيّين وسيّد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
 
الإمام علي ومعركة خيبر:
قال ابن هشام في السيرة النبوية:
فلما رأى اليهود دنوِّ علي نحو الحصن أخذَ يُخرِج كبار صناديدهم، وكان أوَّل من خرج إليه أخو مرحب ويدعى الحارث، فتقدَّم إلى علي وصوتُه يدوي في ساحة القتال، بحيث تأخر من كان خلف علي من الجند فزعاً وخوفاً"، ولكن سرعان ما جندله أمير المؤمنين بسيفه ورمى به جثة هامدة على الأرض.
 
فلما علم مرحب بذلك اشتد به الغضب وعزم على ان يشارك في القتال وكان يعهد بقيادة جيش خيبر لاخيه الحارث.
 
وفي التاريخ يذكر المؤرخون امورا خارقة عن مرحب هذا، فهو بالنسبة لقومه مثل الرجل الخارق في الافلام الخيالية في السينما المعاصرة. فهم يعتقدون ان له قوة "شمشمون" وقدرات جبارة تجعله فير قابل للموت.وكانوا يظنونه مخلدا وساهمت قوته الهائلة وفروسيته وعزيمته وبطشه الكبير في احاطة مرحب بهالة ضخمة وهائلة من الدعاية النفسية التي تهزم جيشا قبل ان يقترب منه.
 
لكن الامام قتله ولم يبالي بكل ما سبق.
وعن شجاعته عليه السلام , في قتل مرحب, قال المؤرخون, فأخذا يتبادلان الضربات بالسيوف الإمام عليه السلام ومرحب، وقعقعتها تثير الرعب والفزع في قلوب المشاهدين، وفجأة هبط سيف بطل الإسلام القاطع على رأس مرحب فمات وبموته انقذ الامام جيش خيبر وجيش المسلمين من هدر المزيد من الدماء. فحين مات من يظن يهود خيبر انه لا يموت استسلم الجنود وطلبوا العفو فحصلوا عليه.
 
وقد ورد في "تاريخ اليعقوبي": إنّ الباب الذي قلعه علي عليه السلام كان من الصخر، وكان طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعين، وكان هذا الباب يفتحه "22" رجلاً، ويغلقه مثلهم.
 
ومما ورد في شجاعته ما أورده "ابن إسحاق"حيث قال "حدَّثني عبد الله بن الحسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حين بعثَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود، فطاح تُرسه من يده، فتناول -رضي الله عنه- بابًا كان عند الحصن فترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفرٍ سبعة معي، أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه", وروى جابر بن عبد الله "فرائد السمين", وابن حجر العسقلاني بإسناده في كتابه " الإصابة في تمييز الصحابة", وكذلك رواه البدخشي, و"الحافظ البيهقي" و"الحاكم", من طريق مطلب بن زياد عن ليث بن أبي سُليم عن أبي جعفر الباقر عن جابر: "أنَّ عليًا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فافتتحوها، وأنه جُرّب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلًا".
 
وقال "سبط ابن الجوزي" لا كلام في يوم أُحُد, أما يومَ خيبر فلم يطعن فيه "نداء جبريل باسم علي" أحَد من العلماء.
 
الراية مع الأمام:
وفي راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر, قال محمد أبو شهبة في "السيرة النبويَّة في ضوء القرآن والسنة": "حاصر المسلمون حصون خيبر, متأهبين لقتال اليهود، وقد أخذوا أسلحتهم وأعدُّوا عدتهم لذلك، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستثير همم أصحابه لمواجهة أعدائهم، وأن يحفز في نفوسهم البذل وحب الله ورسوله، فقال: "لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله", وهذا ما أورده الإمام البخاري في كتاب المغازي.
 
وقال برهان الحلبي في كتابه "السيرة الحلبية": "بات الأصحاب وكل واحد منهم يتمنى أن يكون صاحب هذا الوسام الخالد، وفي الصباح نادى النبيصلى الله عليه وسلم: أين علي؟ فقيل: يا رسول الله به رمد، وهو راقد بناحية، فقال صلى الله عليه وسلم: ائتوني بعلي، فأمرّ - رسول اللهصلى الله عليه وسلم يده الشريفة على عيني عليعليه السلام ودعا له بخير فعوفي من ساعته، ثم دفع اللواء إلى علي، وقال له: اذهب ولا تلتفت, فوقف علي عليه السلام ومن دون أن يلتفت،
 
أشعار في المعركة:
في بداية المعركة وعند إعطاء علي عليه السلام الراية قال "حسّان بن ثابت" في إعطاءه الراية و"ذكر في الإرشاد":
وكان علي أرمد العين يبتغي دواءً فلمّا لم يحسّ مداويا
شفاه رسول الله منه بتفلة فبورك مرقياً وبورك راقيا
فقال سأُعطي الراية اليوم صارماً كَمِيّاً محبّاً للرسول مواليا
يحبّ إلهي والإله يحبّه به به يفتح الله الحصون العواليا
فأصفى بها دون البريّة كلّها علياً وسمّاه الوزير المؤاخيا
وفي شعر ابن أبي الحديد في ذلك في " الوافي بالوفيات":
ألم تخبر الأخبار في فتح خيبر ففيها لذي اللب الملب أعاجيب
وفوز علي بالعلى فوزها به فكلّ إلى كلّ مضاف ومنسوب
                           
واما مرحب فقد بارز عليا بعد ان انشد يقول:
قد علمت خيبر أني مرحب
شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
 
فرد عليه الامام علي عليه السلام وقال:
أَنا الَّذي سَمَتني أُمي حَيدَرَه
ضِرغامُ آجامٍ وَلَيثُ قَسوَرَه
عَبلُ الذِراعَينِ شَديدُ القِصَرَه
كَلَيثِ غاباتٍ كَريهِ المَنظَرَه
أَكيلُكُم بِالسَيفِ كَيلَ السَندَرَه
أَضرِبُكُم ضَرباً يَبينُ الفَقَرَه
وَأَترُكُ القِرنَ بِقاعِ جُزُرِهِ
أَضرِبُ بِالسَيفِ رِقابَ الكَفَرَه
 
وفي هذا يقول ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج:
يا قالع الباب الذي عن هزّه عجزت أكف أربعون وأربع
 
وقال الشاعر "ابن شهر آشوب" في "مناقب آل أبي طالب": يصف بعض ما وقع يوم خيبر:
ويوم خيبر إذ عادوا برايته كما علمت لخوف الموت هرابا
فقال إني سأعطيها غداً رجلاً ما كان في الحر
 
وفي نداء الملائكة في علي عليه السلام , قال حسان بن ثابت, بعد أن استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينشد شعراً، فأذن له، وقال:
جبريـل نادى معـلناً والنقـع ليس ينجلي
والمسلمـون أحدقـوا حـول النبيّ المـرسل
لا سيـف إلاّ ذو الفقـا ر ولا فـتى إلاّ عـلي
 
وما قاله حسان بن ثابت في رمد علي عليه السلام , وهذا ما ذُكر في المغازي والسيَر:
وكان عليّ أرمد العيــــــــــــــــــن يبتغى           دواء، فلـــــــمّا لم يحسّ مداويا
شفـــــــــــــــــــاه رسول اللّه منه بتفلة فبورك مرقيّا، وبورك راقــــــــــــيا
وقال سأعطى الرّاية القوم صارما      مكينا محبّا للإله موالــــــــــــــــــــــيا
يحبّ إلهي، والإله يحبّـــــــــــــــــــه     به يفتح اللّه الحصون الأوابيا
فخصّ لها دون البريــــــــــــــــــة كلها             عليا، وسمّــــــــاه الوليّ المؤاخيا
 
ومما قاله وأنشده الأمام علي عليه السلام في خيبر:
سَتَشهَدُ لِي بِالكَرِّ وَالطَعنِ رايَةٌ ... حَبانِيَ بِها الطُهرُ النَبِيُّ المُهَذِّبُ
وَتَعلَمُ أَنّي في الحُروبِ إِذا اِلتَظى ... بنِيرانِها اللَيثُ الهَموسُ المُرَجَّبُ
وِمثلِيَ لاقى الهَولَ في مُفظِعاتِهِ ... وَفَلَّ لَهُ الجَيشُ الخَميسُ العَطَبطَبُ
وَقَد عَلِمَ الأَحياءُ أَنّي زَعيمُها ... وَأَنّي لَدى الحَربِ العَذيقُ المُرَجِّبُ
 
وقال أيضاً عليه السلام :
أَنا عَلِيٌّ وَاِبنُ عَبدِ المُطَّلِب ... مُهَذَّبٌ ذُو سَطوَةٍ وَذو غَضَب
غَذَيتُ في الحَربِ وَعِصيانَ النُّوَب ... مِن بَيتِ عِزٍ لَيسَ فيهِ مُنشَعَب
وَفي يَميني صارِمٌ يَجلو الكَرب ... مَن يَلقَني يَلقَ المَنايا وَالعَطَب
 
ومنه فيها مخاطبا لياسر وغيره :
هَذا لَكُم مِنَ الغُلامِ الغالِبي ... مِن ضَربِ صِدقٍ وَقَضاءِ الوَاجِبِ
وَفالِقِ الهَاماتِ وَالمَناكِبِ ... أَحمي بِهِ قَماقِمَ الكَتائِبِ
 
ومنه فيها مخاطبا لعنتر وسائر عسكر خيبر:
هَذَا لَكُمْ مَعَاشِرَ اَلْأَحْزَابِ  ... مِنْ فَالِقِ اَلْهَامَاتِ وَ اَلرِّقَابِ
 فَاسْتَعْجِلُوا لِلطَّعْنِ وَ اَلضِّرَابِ...  وَ اِسْتَبْسِلُوا لِلْمَوْتِ وَ اَلْمَآبِ
صَيَّرَكُمْ سَيْفِي إِلَى اَلْعَذَابِ ... بِعَوْنِ رَبِّي اَلْوَاحِدِ اَلْوَهَّابِ
 
ومنه فيها مخاطبا لربيع بن أبي الحقيق:
أَنا عَلِيٌّ وَاِبنُ عَبدِ المُطَّلِب
أَحمي ذِماري وَأَذُبُّ عَن حَسَب
وَالمَوتُ خَيرٌ لِلفَتى مِنَ الهَرَب
تبا وتعسا لك يابن الكافر
 أنا علي هازم العساكر
أنا الذي أضربكم وناصري
 إله وله مهاجري
أضربكم بالسيف في المصاغر
 أجود بالطعن وضرب طاهر
مع ابن عمي والسراج الزاهر
 حتى تدينوا للعلي القاهر
ضرب غلام صارم مماهر
 
8. آيات قرآنيَّة تخص المعركة:
ذُكِر في "صحيح مسلم" عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رضي الله عنه :

 

ليلة فتح الله عليه نزلت هذه الآية فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ [آل عمران:61] فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهمّ هؤلاء أهلي".
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى