أولاً). معركة خيبر:
تؤكد النصوص المتقدِّمة على أنَّ علياً (عليه السلام) هو الذي فتح خيبر دون سواه، فقد ذكرت: أنَّه لما خرج أهل الحصن، بقيادة الحارث أخي مرحب، هاجموا أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) (فانكشف المسلمون، وثبت علي), ويقول علي (عليه السلام) مخاطباً يهوديَّاً سأله عن علامات الأوصياء:
إنَّا وردنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) مدينة أصحابك خيبر، على رجال من اليهود وفرسانها، من قريش وغيرها، فتلقونا بأمثال الجبال، من الخيل، والرجال، والسلاح، وهم في أمنع دار، وأكثر عدد، كل ينادي، ويدعو، ويبادر إلى القتال، فلم يبرز إليهم من أصحابي أحد إلا قتلوه.
حتى إذا احمرت الحدق، ودعيت إلى النزال، وأهمت كل امرئ نفسه، والتفت بعض أصحابي إلى بعض، وكل يقول: يا أبا الحسن، انهض.
فأنهضني رسـول الله (صلى الله عليه وآله) إلى دارهم، فلم يبرز إلي منهم أحد إلا قتلته، ولا يثبت لي فارس إلا طحنته، ثم شددت عليهم شدة الليث على فريسته, حتى أدخلتهم جوف مدينتهم، مسدداً عليهم، فاقتلعت باب حصنهم بيدي، حتى دخلت عليهم مدينتهم وحدي، أقتل من يظهر فيها من رجالها، وأسبي من أجد من نسائها، حتى افتتحتها وحدي، ولم يكن لي فيها معاون إلا الله وحده, وعن علي (عليه السلام) قال: جرحت في وقعة خيبر خمساً وعشرين جراحة، فجئت إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما رأى ما بي بكى, وأخذ من دموع عينيه، فجعلها على الجراحات، فاسترحت من ساعتي.
وفي ذلك قال أبو رافع مولىٰ رسول الله "ص": «خرجنا مع عليٍّ عليه السلام حين بعثه رسول الله "ص" برايته إلىٰ خيبر، فلمَّا دنا من الحصن خرج إليه أهله، فقاتلهم، فضربه يهوديٌّ فطرح ترسه من يده، فتناول عليٌّ عليه السلام باباً كان عند الحصن فتترَّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل، حتىٰ فتح الله عليه، ثُمَّ ألقاه من يده، فلقد رأيتني في نفر سبعة، أنا ثامنهم، نجهد علىٰ أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه», وقيل: «إنَّ الباب كان حجارة طوله أربع أذرع في عرض ذراعين في سمك ذراع، فرمىٰ به عليُّ بن أبي طالب عليهالسلام خلفه ودخل الحصن ودخله المسلمون.
ثانياً). غزوة بدر الكبرىٰ:
وهي أوَّل معركة يحارب فيها الإمام عليٌّ عليهالسلام, كما أنَّ معركة بدر هي أول حروب نبيُّ الله "ص", وبدر اسم بئر كانت لرجل يدعىٰ بدراً، وتقع في مكان بين مكَّة والمدينة وتبعد عنها ١٦٠ كم علىٰ التقريب, وقيل: بين بدر والمدينة ثمانية بُرُد وميلان.
وكانت هذه الوقعة يوم الجمعة، لثلاث عشرة بقين من شهر رمضان، أي في السابع عشر منه، وقيل: يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت منه علىٰ رأس تسعة عشر شهراً من مهاجره, وجاء في سبب هذه الغزوة: أنَّ أبا سفيان قدم من الشام بقافلة قريش، تحمل أموالاً طائلة، فخرج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليقطع الطريق عليها ردَّاً علىٰ تحدِّياتها وتحرُّشاتها التي كانت تقوم بها بين الفينة والأُخرىٰ, ومضىٰ نبيُّ الله صلى الله عليه وآله وسلم في طريقه إلىٰ بدر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وقيل بأقل من ذلك، منهم من المهاجرين واحد وثمانون، ومن الأنصار مائتان واثنان وثلاثون رجلاً، وكان معهم فرسان وسبعون بعيراً، فبعث عليَّاً عليهالسلام وسعد بن أبي وقَّاص وبسبس بن عمرو يتجسَّسون له الأخبار، ودفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رايته إلىٰ عليٍّ، وكان عمره يوم ذاك ٢٥ سنة، وبرز عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة بن ربيعة، ودعوا المسلمين إلىٰ البراز، فبرز إليهم ثلاثة من فتيان الأنصار: وهم من بني عفراء: معاذ ومعوذ وعوف، فلمَّا وقفوا في مقابل عتبة وأخيه وولده، ترفَّعوا عن مقاتلتهم، وطلب عتبة من النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يرسل له الأكفَّاء من قريش, فالتفت نبيُّ الله "ص" إلىٰ بني عمومته، وأحبَّ أن تكون الشوكة ببني عمِّه وقومه وقال: « قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة بن عبد المطلب، قم يا عليَّ بن أبي طالب » فقاموا مسرعين، يهرولون بين الجيشين علىٰ أقدامهم، بقلوب ثابتة، عامرة بالإيمان، ووقفوا أمام القوم، فقال عتبة : تكلَّموا نعرفكم، وكان عليهم البيض، فقال حمزة : أنا حمزة بن عبد المطَّلب: أسد الله، وأسد رسوله، فقال عتبة: كُفءٌ كريم، وأنا أسد الحلفاء، من هذا معك؟ قال: عليُّ بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث، قال: كُفآن كريمان, فبرز عبيدة بن الحارث ـ وكان عمره سبعين سنة ـ إلىٰ عتبة بن ربيعة ـ وقيل شيبة ـ فضربه علىٰ رأسه وضرب عتبة عبيدة علىٰ ساقه فقطعها، وسقطا معاً، وحمل عليٌّ عليهالسلام علىٰ الوليد ـ وكانا أصغر القوم سنَّاً ـ فضربه عليُّ بن أبي طالب عليهالسلام علىٰ حبل عاتقه، فخرج السيف من أبطه، وحمل حمزة علىٰ شيبة فتضاربا بالسيف حتىٰ انثلما، فاعتنق كلُّ واحد صاحبه، وكان حمزة أطول من شيبة، فصاح المسلمون: يا علي، أما ترىٰ الكلب قد بهر عمَّك، فأقبل عليهما، فقال عليٌّ: «طأطأ رأسك يا عم» فأدخل حمزة رأسه في صدر شيبة، فضربه الإمام علىٰ عنقه فقطعها، ثُمَّ كرَّ عليٌّ عليهالسلام وحمزة علىٰ عتبة فأجهزا عليه، وحملا عبيدة فألقياه بين يدي ابن عمِّه الرسول، فاستعبر وقال: «ألستُ شهيداً يا رسول الله؟» قال: «نعم».
وبرز بعدهما حنظلة بن أبي سفيان إلىٰ عليِّ بن أبي طالب عليهالسلام، فلمَّا دنا منه ضربه عليٌّ بالسيف، فسألت عيناه، وسقط كالذبيح علىٰ رمال بدر، ثُمَّ أقبل العاص بن سعيد بن العاص يطلب البراز، فبرز إليه عليٌّ عليهالسلام وقتله.
ولمَّا رأت مخزوم كثرة القتلىٰ من المشركين، أحاطوا بأبي جهل خوفاً عليه، وألبسوا لأمة حربه عبد الله بن المنذر، فصمد له عليٌّ عليهالسلام وقتله، ثُمَّ ألبسوها الفاكه بن المغيرة، فقتله حمزة وهو يظنُّه أبا جهل، وألبسوها بعدهما حرملة بن عمرو فقتله عليٌّ عليهالسلام أيضاً، وأبىٰ أن يلبسها أحد بعدما رأوا صنيع عليٍّ وحمزة.
ثمَّ التحم الجيشان، ودار بينهما أعنف قتال، فتساقطت الرؤوس وتهاوت الأجسام, وقَتَلَ عليٌّ عليهالسلام ـ فيمن قتله يوم ذاك ـ نوفل بن خويلد، وكان من شياطين قريش، وكان النبي "ص" قد قال فيه: «اللَّهمَّ اكفني ابن العدوية» وخرج نبيُّ الله "ص" من العريش، ولم يبقَ فيه غير أبي بكر، ولم يرد له ولعمر بن الخطَّاب ذكر مع الذين اشتركوا في القتال.
واشترك النبيُّ "ص" مع المسلمين، وكبرياء مشركي قريش تتهاوىٰ تحت الأقدام، ثمَّ أخذ كفَّاً من التراب ورمىٰ به إلىٰ جهة المشركين قائلاً: «شاهت الوجوه، اللَّهمَّ أرعب قلوبهم» فانهزموا تاركين أمتعتهم وأسلحتهم، وانجلت المعركة عن مقتل سبعين رجلاً من مشركي قريش، وكانوا سادات قريش وأبطالها، وأُسر منهم سبعون رجلاً، وفقد المسلمون أربعة عشر شهيداً.
ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار, وانطوت صفحة التاريخ معربة عن أول انتصار حقَّقه المسلمون علىٰ صعيد المعارك، وتجلَّت هذه الانتصارات ببطولات بني هاشم لا سيَّما الإمام علي عليهالسلام، الذي كان متعطِّشاً لحصد أشواك الشرك وإلقائها تحت الأقدام, وأحصت بعض مصادر التاريخ من قتلهم
عليٌّ ٣٥ رجلاً.
ثالثاً). غزوة أحد:
أخذ المشركون يعدُّون العدَّة للثأر، واستطاعوا أن يؤلِّفوا جيشاً كبيراً، يضمُّ ما يقارب ثلاثة آلاف مقاتل! وتبرَّع أبو سفيان بأموال طائلة لتجهيز هذا الجيش الذي قاده بنفسه، وقبل أن تخرج قريش إلىٰ أُحد بعث العبَّاس بن عبد المطلب إلىٰ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, يخبره بكيد قريش واستعدادها.
خرج الرسول "ص" في ألف رجل أو يزيدون قليلاً، وكان الإمام عليُّ بن أبي طالب عليهالسلام حامل لوائه، ووزَّع الرسول "ص" الرايات علىٰ وجوه المهاجرين والأنصار، ولمَّا كان بين المدينة وأُحد، عاد عبد الله بن أُبي ـ رأس النفاق ـ بثلث الجيش قائلاً: علامَ نقتل أنفسنا؟! ارجعوا أيُّها الناس، فرجع وبقيَ مع رسول الله "ص" سبعمائة.
ولمَّا التحمت المعركة تقدَّم طلحة بن أبي طلحة ـ وكان يدعىٰ كبش الكتيبة ـ وصاح: من يبارز؛ فخرج إليه عليٌّ عليهالسلام، وبرزا بين الصفَّين، ورسول الله "ص" جالس في عريش أُعدَّ له يشرف علىٰ المعركة ويراقب سيرها، فقال طلحة: مَنْ أنت؟ قال: «أنا عليُّ بن أبي طالب» فقال: لقد علمت أنَّه لا يجرؤ عليَّ أحدٌ غيرك، فالتحمت سيوفهم، فضرب عليٌّ عليه السلام رأس عتبة ضربة فلق فيها هامته، فبدرت عيناه وصاح صيحة لم يُسمع مثلها، وسقط اللواء من يده، ووقع يخور في دمه كالثور، وقيل: ضربه فقطع رجله، فسقط وانكشفت عورته، فناشده الله والرحم فتركه.
فكبَّر رسول الله "ص" والمسلمون، وتقدَّم بعده أخوه عُثمان بن أبي طلحة، فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب، فضربه بسيفه ضربةً كانت بها نهايته، ورجع عنه يقول: أنا ابن ساقي الحجيج.
وأخذ اللواء بعدهما أخوهما أبو سعيد بن أبي طلحة، فحمل عليه عليٌّ عليهالسلام فقتله، ثُمَّ أخذ اللواء أرطأة بن شرحبيل، فقتله عليٌّ عليهالسلام أيضاً، وأخذ اللواء بعد ذلك غلام لبني عبد الدار، فقتله عليُّ بن أبي طالب عليهالسلام, وذكر المفيد في إرشاده: أنَّ أصحاب اللواء كانوا تسعة، قتلهم عليُّ بن أبي طالب عن آخرهم، وانهزم القوم.
وتؤكِّد أكثر الروايات أنَّه بعد أن قُتل أصحاب الألوية والتحم الجيشان، لم يتقدَّم أحد من عليٍّ عليهالسلام إلَّا ضربه بسيفه أو ضربه علىٰ رأسه، ففلق هامته وأرداه قتيلاً، وانكشف المشركون لا يلوون علىٰ شيء، حتىٰ أحاط المسلمون بنسائهم، ودبَّ الرعب في قلوبهم، ولو أراد المسلمون أن يأسروا هنداً ومن معها ما وجدوا من يمنعهم من ذلك.
وإنَّ النصر الذي تهيَّأ للنبيِّ "ص" في أُحد لم يتهيَّأ له في موطنٍ قطّ، وظلَّ النصر إلىٰ جانب المسلمين، حتَّىٰ عصوا الرسول "ص" وانصرفوا إلىٰ الغنائم.
فقد أُصيب المسلمون من قبل الرماة الذين وضعهم النبي "ص" من ورائهم، ليحموا ظهورهم بالنبال إن هجم المشركون من جهة الجبل، لكن لمَّا انهزم المشركون لا يلوون علىٰ شيء، نزل الرماة من علىٰ الجبل، بعد أن نظروا إلىٰ إخوانهم المسلمين ينتهبون الغنائم، وردعهم أميرهم عبد الله بن جبير، فأبوا الرجوع، ثُمَّ انطلقوا للسلب والنهب، ولم يبقَ مع ابن جبير إلَّا عشرة رجال.
ولمَّا رأىٰ خالد بن الوليد أنَّ ظهر المسلمين قد خلا، كرَّ في مائتي فارس، علىٰ من بقي مع ابن جبير فأبادهم، وقُتل ابن جبير بعد أن قاتل قتال المستميت، وتجمَّع المشركون من جديد، وأحاطوا بالمسلمين من خلفهم، وهم غافلون لنهب الغنائم، واستدارت رحاهم وحالت الريح فصارت دبوراً، وما أحسَّ المسلمون إلَّا والعدو قد أحاط بهم واختلط بينهم، وأصبحوا كالمدهوشين، يتعرَّضون لضرب السيوف وطعن الرماح من كلِّ جانب، وأوجعوا في المسلمين قتلاً ذريعاً، واشتدَّ عليهم الأمر حتَّىٰ قتل بعضهم بعضاً من حيث لا يقصدون.
وفرَّ المسلمون عن نبيِّ الله "ص"، ولم يكن عليٌّ عليه السلام يفكِّر في تلك اللحظات الحاسمة إلَّا برسول الله "ص" لا سيَّما وقد رأىٰ المشركين يتَّجهون نحوه، وأصبح هدفهم الأول، بعد أن أصبحت المعركة لصالحهم، فأحاط به هو وجماعة من المسلمين، وقد استماتوا في الدفاع عن النبيِّ "ص"، وحمزة يهذُّ الناس بسيفه هذَّاً، وعليٌّ عليهالسلام يفرِّق جمعهم كالصقر الجائع حينما ينقضّ علىٰ فريسته، فيشتِّتهم إرباً إرباً بسيفه البتَّار، وهو راجل وهم علىٰ متون الخيل، فدفعهم عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم حتَّىٰ انقطع سيفه.
وقاتل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قتالاً شديداً، وقد تجمَّع عليه المشركون وحاولوا قتله بكلِّ سبيل، ورماه ابن قمئة فكسر أنفه ورباعيته السفلىٰ، وشقَّت شفته، وأصابته ضربة في جبهته الشريفة، وسال الدم علىٰ وجهه الشريف. وغلب عليه الضعف.
وروىٰ عكرمة قال: سمعت عليَّاً عليهالسلام، يقول: «لمَّا انهزم الناس يوم أُحد عن رسول الله "ص" لحقني من الجزع عليه ما لم أملك نفسي، وكنت أمامه أضرب بسيفي بين يديه، فرجعت أطلبه فلم أره فقلت: ما كان رسول الله ليفرَّ، وما رأيته في القتلىٰ، فأظنُّه رُفع من بيننا، فكسَّرت جفن سيفي وقلت في نفسي: لأقاتلنَّ به عنه حتَّىٰ أُقتل، وحملت علىٰ القوم فأفرجوا، فإذا أنا برسول الله "ص"، وقد وقع علىٰ الأرض مغشيَّاً عليه، فقمت علىٰ رأسه، فنظر إليَّ فقال: ما صنع الناس، يا عليُّ؟ فقلت: كفروا يا رسول الله, وولَّوا الدبر وأسلموك، فنظر إلىٰ كتيبة قد أقبلت فقال "ص": ردَّ عنِّي يا عليُّ هذه الكتيبة، فحملت عليها بسيفي أضربها يميناً وشمالاً حتَّىٰ ولَّوا الأدبار، فقال لي النبي "ص": أما تسمع مديحك في السماء، إنَّ ملكاً يقال له: رضوان ينادي: لا سيف إلَّا ذو الفقار ولا فتىٰ إلَّا عليُّ، فبكيتُ سروراً وحمدت الله علىٰ نعمه», ونقل ابن الأثير: لقد أصابت عليَّاً يوم أحد ستُّ عشرة ضربة، كلُّ ضربةٍ تلزمه الأرض، فما كان يرفعه إلَّا جبريل عليه السلام.
وفي هذه الوقعة قُتل حمزة بن عبد المطلب، رماه وحشي ـ وهو عبد لجبير بن مطعم ـ بحربة، فسقط شهيداً، ومثَّلت به هند بنت عتبة بن ربيعة، وشقَّت عن كبده فأخذت منها قطعة فلاكتها، وجدعت أنفه، فجزع عليه رسول الله "ص" جزعاً شديداً، وقال : «لن أُصاب بمثلك»..
وقفل رسول الله "ص" ومن معه راجعين إلىٰ المدينة يوم السبت؛ فاستقبلته فاطمة عليهاالسلام ومعها إناء فيه ماء، فغسل وجهه، ولحقه الإمام وقد خضَّب الدم يده إلىٰ كتفه ومعه ذو الفقار، فناوله فاطمة عليه السلام فقال: «خذي السيف فقد صدقني اليوم» وقال:
«أفاطمُ هاكِ السيف غير ذميم وقال فلستُ برعديد ولا بمليمِ
لعمري لقد أعذرت في نصر أحمدٍ وطاعة ربٍّ بالعباد عليمِ»
فقال رسول الله "ص": «خذيه يا فاطمة، فقد أدَّىٰ بعلك ما عليه، وقد قتل الله بسيفه صناديد قريش».
رابعاً). وقعة بني النضير:
غزا رسول الله "ص" بني النضير في شهر ربيع الأول سنة أربع علىٰ رأس سبعة وثلاثين شهراً من مهاجره, وبني النضير هم فخذٌ من جذام إلَّا أنَّهم تهوَّدوا، ونزلوا بجبل يقال له: النضير، فسُمُّوا به.
وجاء في سبب هذه الغزوة: أنَّ رسول الله "ص" مشىٰ إلىٰ كعب بن الأشرف ووجهاء بني النضير، يستقرضهم في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أُمية الضمري، فقالوا: نعم، نعينك علىٰ ما أحببت، ثُمَّ خلا بعضهم ببعض وتآمروا علىٰ قتله، فنزل جبرئيل عليهالسلام وأخبره بما همَّ به القوم من الغدر، وأخبر رسول الله "ص" أصحابه الخبر، وأمر المسلمين بحربهم، ونزل بهم، وكانت رايته مع عليِّ بن أبي طالب عليهالسلام، فتحصَّن اليهود في الحصون، وأرسل إليهم عبد الله بن أُبي وجماعة معه أن اثبتوا وتمنَّعوا، فإنَّا لن نسلمكم.
وروي أنَّ الإمام عليَّاً عليهالسلام فقد في إحدىٰ ليالي حصار بني النضير، فقال رسول الله: «إنَّه في بعض شأنكم» وبعد قليل جاء عليٌّ برأس «عزوك» أحد أبطال بني النضير، وقد كمن له الإمام حتىٰ خرج في نفر من يهود يطلبون غرَّة من المسلمين، وكان شجاعاً رامياً، فكمن له عليٌّ عليهالسلام فقتله، وفرَّ اليهود، فأرسل نبيُّ الله "ص" أبا دجانة وسهل بن حنيف، في عشرة من رجالات المسلمين، فأدركوا اليهود الفارِّين من سيف الإمام عليٍّ عليهالسلام، وطرحت رؤوسهم في الآبار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا النبيَّ "ص" أن يُجليهم ويكفَّ عن دمائهم ـ بعد أن خذلهم ابن أُبي ـ فبعث رسول الله "ص" محمَّد بن مسلمة إليهم: أن يخرجوا من بلادهم ولهم ما حملت الإبل من خُرثي متاعهم، ولا يخرجون معهم بذهب ولا فضة ولا سلاح, وأجّلهم في الجلاء ثلاث ليال.
خامساًً). معركة الأحزاب وتسمى أيضاً "الخندق":
وتسمَّىٰ أيضاً «غزوة الخندق» وكانت في ذي القعدة، سنة خمس من الهجرة ٦٢٧ م، وكان سببها: لمَّا أجلىٰ رسول الله "ص" بني النضير ساروا إلىٰ خيبر، وحزَّبوا الأحزاب علىٰ رسول الله "ص"، فقدموا علىٰ قريش بمكَّة، وألَّبوها علىٰ حرب رسول الله "ص"، وقالوا: نكون معكم حتَّىٰ نستأصله، وما كان من أمر قريش إلَّا أن تستجيب لضالَّتها المنشودة في القضاء علىٰ النبي "ص" وأعوانه.
وتجهَّزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب، فكان جميع القوم الذين وافوا الخندق، ممن ذُكر من القبائل، عشرة آلاف، وهم الأحزاب، وكانوا ثلاثة عساكر بقيادة أبي سفيان بن حرب, فلمَّا بلغ رسول الله "ص" خبرهم جمع المسلمين، وحثَّهم علىٰ الجهاد والصبر والاستعداد لمقابلة الغزاة وشاورهم في الأمر، فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين، لأنَّ عملاً من هذا النوع لابدَّ وأن يعرقل تقدُّم الغزاة، ويخفِّف من أخطار المجابهة بين الفريقين, وأقبل المسلمون جميعاً يحفرون خندقاً حول المدينة.
وخرج رسول الله "ص" لقتال قريش وأحباشها، وهنا كانت الصدمة الكبيرة علىٰ قريش، وهي تحسب أنَّ النبي "ص" وصحبه لا يثبتون لها ساعات قلائل بهذا العدد الضخم، وإذا بها تجد بينها وبين المسلمين حاجزاً لا يمكن اجتيازه إلَّا بعد جهود شاقة، فلمَّا كان اليوم الخامس خرج عمرو بن عبد ودٍّ العامري ـ وكان يعدّ بألف فارس ـ وأربعة نفر من المشركي: نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطَّاب الفهري، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، واقتحموا الخندق من مكان ضيِّق، وركز عمرو رمحه في الأرض ـ وهو ابن تسعين سنة وأخذ يجول، ويدعو إلىٰ المبارزة, فلم يجبه أحد من المسلمين، وفي كلِّ مرّة يكرّر فيها نداءه كان يقوم له عليُّ بن أبي طالب عليهالسلام من بينهم ليبارزه، فيأمره رسول الله "ص" بالجلوس، انتظاراً منه ليتحرَّك غيره، ولكن لم ينهض أحد؛ لمكان عمرو بن عبد ودٍّ ومن معه, ومضىٰ عمرو يكرِّر النداء والتحدِّي للمسلمين، فقام عليٌّ عليهالسلام مرَّةً أُخرىٰ، فأجلسه رسول الله "ص", وقال له: «إنَّه عمرو»، ونادىٰ مرَّةً أُخرىٰ، فقام عليٌّ عليهالسلام، فأذن له رسول الله "ص", فقال له: «ادنُ منِّي » فدنا منه، فنزع عمامته عن رأسه وعمَّمه بها وأعطاه سيفه ذا الفقار، وقال له: «امضِ لشأنك » ثُمَّ رفع يديه وقال: «اللَّهمَّ إنَّك أخذت منِّي حمزة يوم أُحد، وعبيدة يوم بدر، فاحفظ اليوم عليَّاً، ربِّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين», وقال نبيُّ الله "ص" لمَّا دنا عليٌّ عليهالسلام من عمرو: «خرج الإيمان سائره إلىٰ الكفر سائره», فبرز إليه عليٌّ، وهو يقول:
«لا تعجلنَّ فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز
ذو نيَّةٍ وبصيرة والـ صدق منجي كلَّ فائز
إنِّي لأرجو أن أُقيم عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يبقىٰ صيتها بعد الهزاهز»
فلمَّا انتهىٰ إليه قال: «يا عمرو إنَّك في الجاهلية تقول: لا يدعوني أحدٌ إلىٰ ثلاث إلَّا قبلتها، أو واحدة منها», قال: أجل, قال:« فإنِّي أدعوك إلىٰ شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله، وأن تُسلم لربِّ العالمين», قال: يا ابن أخ، أخِّر هذه عنِّي. فقال له عليٌّ: «أمَّا إنَّها خيرٌ لك لو أخذتها», ثُمَّ قال: «فها هنا أُخرىٰ» قال: ما هي ؟ قال: «ترجع من حيث جئت». قال: لا تَحدَّث نساء قريش بهذا أبداً, قال: «فها هنا أُخرىٰ», قال: ما هي ؟ قال: «تنزل تقاتلني» فضحك عمرو وقال: إنَّ هذه الخصلة ما كنت أظنَّ أنَّ أحداً من العرب يرومني مثلها، إنِّي لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، وقد كان أبوك لي نديماً, قال عليٌّ عليه السلام: «ولكنِّي أُحبُّ أن أقتلك، فانزل إن شئت», فغضب عمرو ونزل فضرب وجه فرسه حتىٰ رجع، وحمل علىٰ عليٍّ عليه السلام وضربه علىٰ رأسه فاتَّقاها بالدرقة، فقدَّها السيف ونفذ منها إلىٰ رأسه فشجَّه، وبقي محتفظاً بثباته، وتوالت عليه الضربات وهو يحيد عنها، ثُمَّ كرَّ عليه عليٌّ عليهالسلام فضربه علىٰ حبل عاتقه ضربةً كان دويُّها كالصاعقة، وفي هذا قال أبو الخير أستاذ أبن أبي الحديد: «والله ما طلب عمرو الرجوع من عليٍّ إلّا خوفاً منه، فقد عرف قتلاه ببدر وأُحد، وعلم إن هو بارز علياً قتله عليٌّ، فاستحىٰ أن يظهر الفشل، فأظهر هذا الإدِّعاء، وإنَّه لكاذب», فسقط عمرو يخور بدمه كالثور، وارتفعت غبرة حالت بينهما وبين الجيشين.
وعن النبي "ص" قال في قتل عليٍّ عليهالسلام لعمرو: «لضربة عليٍّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين», وقال جابر: «فما شبهت قتل عليٍّ عمراً إلَّا بما قصَّ الله تعالىٰ من قصة داود وجالوت، حيث قال: ( فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ).
بسيف عليٍّ عليهالسلام كان النصر حليف المسلمين وهنا يسكت القلم، ولا يدري ماذا يكتب عن شجاعة ابن أبي طالب عليهالسلام فقد كفىٰ الله المؤمنين القتال به عليهالسلام, ولمَّا نُعي عمرو بن عبد ودٍّ إلىٰ أخته عمرة، قالت: مَن قتله؟ ومن الذي اجترأ عليه؟ فقيل لها: قتله عليُّ بن أبي طالب, فقالت: لقد قتل الأبطال وبارز الأقران، وكانت ميتته علىٰ يد كفءٍ كريم من قومه.
سادسا: وقعة بني قريضة:
بنو قريظة: هي فخذ من جذام إخوة النضير، ويقال: إنَّ تهوُّدهم كان في أيام عاديا أبي السموأل، ثُمَّ نزلوا بجبل يقال له: قريظة، فنُسبوا إليه، وقد قيل: إنَّ قريظة اسم جدِّهم بعقب الخندق, وكانت هذه الغزوة في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، وكان بين بني قريظة ورسول الله "ص" صلح فنقضوه، ومالوا مع قريش، فوجَّه إليهم سعد بن معاذ وعبد الله بن رواحه وخوَّات بن جُبير، فذكَّرهم العهد وأساءوا الإجابة، فلمَّا انهزمت قريش يوم الخندق دعا رسول الله "ص" عليَّاً عليهالسلام، فقال له: « قدِّم راية المهاجرين إلىٰ بني قريظة» وقال: «عزمت عليكم ألَّا تصلُّوا العصر إلَّا في بني قريظة» ثُمَّ سار إليهم في المسلمين وهم ثلاثة آلاف، والخيل ستة وثلاثون فرساً، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة.
وحاصر المسلمون بني قريظة شهراً أو خمساً وعشرين ليلة أشدَّ الحصار, فدنا منهم رسول الله "ص" فلقيه عليُّ بن أبي طالب عليه السلام فقال: «يا رسول الله لا تدنُ »، فقال: «أحسب أنَّ القوم أساءوا القول»، فقال: «نعم يا رسول الله»، فيقال: إنَّه قال بيده كذا وكذا، فانفرج الجبل حين رأوه، وقال: «يا عبدة الطاغوت، يا وجوه القردة والخنازير، فعل الله بكم وفعل», فحاصرهم رسول الله "ص" أياماً حتَّىٰ نزلوا علىٰ حكم سعد بن معاذ الأنصاري، وقد حكم انَّه تقتل مقاتلتهم، وتُسبىٰ ذراريهم، وتجعل أموالهم للمهاجرين دون الأنصار، فقال رسول الله : «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ـ سماوات ـ ».
ومن مواقف أمير المؤمنين عليهالسلام وهي التي تعنينا بالبحث: أنَّه ضرب أعناق رؤوساء اليهود أعداء رسول الله "ص"، منهم: حُيي بن أخطب، وكعب بن أسد، بأمر رسول الله "ص".
سابعاً). عمرة الحديبيَّة:
خرج رسول الله "ص" للعمرة في ذي القعدة سنة ست للهجرة، ومعه ألف وأربعمائة من أصحابه، وساقَ من الهدي سبعين بدنة، كما ساق أصحابه أيضاً, ومعهم السيوف في أغمادها، وأعلن في أكثر أنحاء الجزيرة بأنَّه لا يريد حرباً ولا قتالاً، وبلغ المشركين خروجه، فأجمع رأيهم علىٰ صدِّه عن المسجد الحرام, فسار رسول الله "ص" ، بأصحابه حتَّىٰ دنا من الحديبية، وهي علىٰ تسعة أميال من مكَّة، وقد كان رسول الله "ص" رأىٰ في المنام أنَّه دخل البيت وحلق رأسه وأخذ المفتاح, أرسلت إليه قريش مِكرز بن حفص، فأبىٰ أن يكلِّمه، وقال: «هذا رجل فاجر»، فبعثوا إليه الحُليس بن علقمة من بني الحارث بن عبد مناة، وكان من قوم يتألَّهون، فلمَّا رأىٰ الهدي قد أكلت أوبارها، رجع؛ فقال: يا معاشر قريش إنِّي قد رأيت ما لا يحلُّ صدُّه عن البيت.
وكان آخر من بعثوا سهيل بن عمرو ليصالحه علىٰ أن يرجع عنهم عامه ذلك، فأقبل إلىٰ النبي "ص" فكلَّم رسول الله وأرفقه، ثُمَّ جرىٰ بينهم الصلح، فدعا رسول الله عليَّ بن أبي طالب عليهالسلام فقال: «أكتب بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال سهيل: لا نعرف هذا ولكن اكتب, باسمك اللَّهمَّ، فكتبها, وقيل: قال عليهالسلام: «لولا طاعتك يا رسول الله لما محوت»,
ثُمَّ قـال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمَّد رسول الله سهيل بن عمرو» فقال سهيل: لو نعلم أنَّك رسول الله لم نقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال لعليٍّ: «امحُ رسول الله» فقال: «لا أمحوك أبداً»، فمحاها رسول الله "ص"، وقال له موضع رسول الله: محمَّد بن عبد الله، وقال لعليٍّ: «لتبلينَّ بمثلها»، واصطلحا علىٰ وضع الحرب عن الناس عشر سنين، وانَّه من أتىٰ منهم رسول الله "ص" بغير إذن وليِّه ردَّه إليهم، ومن جاء قريشاً ممَّن مع رسول الله "ص" لم يردُّوه عليه، ومن أحبَّ أن يدخل في عهد رسول الله دخل.
وروىٰ ربعي بن خراش عن أمير المؤمنين عليهالسلام، أنَّه قال: «أقبل سهيل بن عمرو ورجلان ـ أو ثلاثة ـ معه إلىٰ رسول الله "ص" في الحديبية، فقالوا له: إنَّه يأتيك قوم من سلفنا وعبداننا فارددهم علينا، فغضب حتَّىٰ احمارَّ وجهه، وكان إذا غضب عليهالسلام يحمارُّ وجهه، ثُمَّ قال: لتنتهنَّ يا معشر قريش، أو ليبعثن الله عليكم رجلاً امتحن الله قلبه للإيمان، يضرب رقابكم وأنتم مجفلون عن الدين, فقال أبو بكر : أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنَّه ذلكم خاصف النعل في الحُجرة, وأنا خاصف نعل رسول الله "ص" في الحُجرة», ثمَّ قال عليٌّ عليهالسلام: «أما انَّه قد قال "ص": من كذب عليَّ متعمَّداً فليتبوَّأ مقعده من النار».
ثامناً). وقعة ذات السلاسل:
وتسمَّىٰ أيضاً وقعة وادي الرمل, وكان سببها أنَّ عدداً من الأعراب قد اجتمعوا لغزو المدينة ـ في وادي الرمل ـ علىٰ حين غفلة من أهلها، فوفد أعرابي علىٰ نبيِّ الله وأخبره بالأمر، وخرج أمير المؤمنين ومعه لواء النبي "ص" بعد أن خرج غيره إليهم، ورجع عنهم خائباً، ثُمَّ خرج صاحبه وعاد بما عاد به الأول، ثُمَّ أرسل عمرو بن العاص، فعاد كما عاد صاحباه، فمضىٰ عليهالسلام نحو القوم، يكمن النهار ويسير الليل، حتىٰ وافىٰ القوم بسَحَر، وصلَّىٰ بأصحابه صلاة الغداة، وصفَّهم صفوفاً واتَّكأ علىٰ سيفه وانقضَّ بمن معه علىٰ القوم علىٰ حين غفلة منهم، وقال: «يا هؤلاء، أنا رسولُ رسولِ الله، أن تقولوا: لا إله إلَّا الله محمَّد رسول الله، وإلَّا ضربتكم بالسيف», فقالوا له: ارجع كما رجع صاحباك, قال:« أنا أرجع! لا والله حتَّىٰ تسلموا، أو لأضربنَّكم بسيفي هذا، أنا عليُّ بن أبي طالب بن عبد المطلب», فاضطرب القوم، وأمعنوا بهم قتلاً وأسراً، حتَّىٰ استسلموا له، وتمَّ الفتح علىٰ يده, وعن أمُّ سلمة قالت: كان نبيُّ الله "ص" قائلاً في بيتي؛ إذ انتبه فزعاً من منامه، فقلت: الله جارك، قال: «صدقت، الله جاري، ولكن هذا جبرئيل يخبرني أنَّ عليَّاً قادم», ثمَّ خرج إلىٰ الناس فأمرهم أن يستقبلوا عليَّاً، وقام المسلمون صفَّين مع رسول الله "ص"، فلمَّا بصر به عليٌّ عليهالسلام ترجَّل عن فرسه، وأقبل عليه يقبِّله, فقال له النبي "ص": «اركب، فإنَّ الله ورسوله عنك راضيان» فبكىٰ عليٌّ عليهالسلام فرحاً وانصرف إلىٰ منزله.
تاسعاً). فتح مكة:
كان الفتح في شهر رمضان، سنة ثمان من مهاجر رسول الله "ص", وكان سبب هذه الوقعة: أنَّ قريشاً نقضت الوثيقة التي وقعتها مع النبي في الحديبيَّة، وتمادت في ذلك، حتى ذهبت إلى تحريض حلفائها بني الدؤل من بني بكر علىٰ خزاعة حلفاء النبيِّ "ص" ، واستطاع هؤلاء أن يتغلَّبوا علىٰ خزاعة بمساعدة قريش، فلمَّا وصل الخبر إلىٰ رسول الله "ص" عزم علىٰ أن ينصر خزاعة, فجهّز جيشه وأكد رغبته في التكتيم علىٰ هذا الأمر، لمداهمة قريش في مكة قبل أن تتجهز لحرب، وكان يقول: «اللَّهمَّ خُذ علىٰ أبصارهم فلا يروني إلَّا بغتةً»!، لكن الأمر تسرّب إلىٰ حاطب بن أبي بلتعة، فكتب كتاباً إلىٰ أهل مكَّة يطلعهم فيه علىٰ سرِّ رسول الله "ص" في المسير إليهم، وأعطىٰ الكتاب امرأة سوداء وأمرها أن تأخذ علىٰ غير الطريق، فنزل بذلك الوحي, فدعا النبي "ص" علياً عليهالسلام وقال: «إنَّ بعض أصحابي قد كتب إلىٰ أهل مكَّة يخبرهم بخبرنا وقد سألت الله أن يعمّي أخبارنا عليهم، والكتاب مع امرأة سوداء قد أخذت علىٰ غير الطريق، فخذ سيفك وألحقها وانتزع الكتاب منها», وبعث معه الزبير بن العوَّام,
فمضيا علىٰ غير الطريق، فأدركا المرأة، فسبق إليها الزبير وسألها عن الكتاب فأنكرته، وحلفت أنَّه لا شيء معها، وبكت، فقال الزبير: يا أبا الحسن، ما أرىٰ معها كتاباً, فقال أمير المؤمنين عليهالسلام: «يخبرني رسول الله "ص" أنَّ معها كتاباً ويأمرني بأخذه منها وتقول: إنَّه لا كتاب معها»!
ثمَّ اخترط السيف وقال: «أما والله لئن لم تخرجي الكتاب لأكشفنَّك ثُمَّ لأضربنّ عنقك», فقالت له: إذا كان لابدَّ من ذلك، فأعرض يا ابن أبي طالب عنِّي بوجهك, فأعرض عنها، فكشفت قناعها فأخرجت الكتاب من عقيصتها، فأخذه أمير المؤمنين عليهالسلام وصار به إلىٰ رسول الله "ص".
ثمَّ مضى رسول الله "ص" لفتح مكَّة في عشرة آلاف مقاتل، وأعطىٰ الراية سعد بن عبادة، وأمره أن يدخل بها مكَّة، فأخذها سعد وجعل يقول :
اليوم يوم المَلحمَه اليوم تسبىٰ الحُرُمَه
فسمعها رجل من المهاجرين، فأعلم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: «اليوم يوم المرحمة، اليوم تحمىٰ الحرمة» لعليِّ بن أبي طالب: «أدركه فخذ الراية منه، وكن أنت الذي تدخل بها», ومضىٰ رسول الله "ص" يقطع الطريق باتجاه مكَّة ودخلها عنوةً بهذا الجيش الهائل، الذي لم تعرف له مكَّة نظيراً في تاريخها من قبل، وأعلن العفو وهو علىٰ أبواب مكَّة، وقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
وأباح دم ستة رجال، ولو كانوا متعلِّقين بأستار الكعبة، وأربع نسوة، هم: عكرمة بن أبي جهل، وهبار بن الأسود، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومِقيس بن صُبابة الليثي، والحويرث بن نُقيذ، وعبد الله بن هلال بن خطل الأدرمي، وهند بنت عتبة، وسارة مولاة عمرو بن هاشم، وقينتان كانتا تغنيان بهجاء رسول الله "ص", فمضىٰ عليُّ بن أبي طالب عليهالسلام يجدُّ في طلب أولئك الذين أهدر النبيُّ "ص" دماءهم فقتل منهم اثنين هم: الحويرث بن نقيذ، وسارة,
وأجارت أمُّ هانئ بنت أبي طالب حموين لها: الحارث بن هشام، وعبد الله بن ربيعة، فأراد عليٌّ عليهالسلام قتلهما, فقال رسول الله: «يا عليُّ قد أجرنا من أجارت أمُّ هانئ», وتفرّق الباقون، ثم وفد بعضهم على النبي بعد أن أخذ الأمان, ولم يترك رسول الله "ص" صنماً داخل الكعبة وخارجها إلَّا وحطَّمه تحت قدميه أمام قريش..
وبعث رسول الله "ص" ـ وهو بمكَّة ـ خالد بن الوليد إلىٰ بني جذيمة بن عامر، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح. فقالوا: إنَّا لا نأخذ السلاح علىٰ الله ولا علىٰ رسوله ونحن مسلمون، قال: ضعوا السلاح، قالوا: إنَّا نخاف أن تأخذنا بإحنة الجاهلية، فانصرف عنهم وأذَّن القوم وصلَّوا، فلمَّا كان في السحر شنَّ عليهم الخيل فقتل منهم ما قتل وسبىٰ الذرية.
فبلغ رسول الله "ص" فقال: «اللَّهمَّ إنِّي أبرأ إليك ممَّا صنع خالد »! وبعث عليَّ بن أبي طالب عليهالسلام فأدَّىٰ إليهم ما أخذ منهم حتَّىٰ العقال وميلغة الكلب، وبعث معه بمال ورد من اليمن فودىٰ القتلىٰ، وبقيت معه منه بقية، فدفعها عليٌّ عليهالسلام إليهم علىٰ أن يحلِّلوا رسول الله "ص" مَّا علم وممَّا لا يعلم, فقال رسول الله: «لما فعلت أحبُّ إليَّ من حمر النعم», ويومئذٍ قال لعليٍّ: «فداك أبواي»، فتمَّ بذلك موادُّ الصلاح، وانقطعت أسباب الفساد.
عاشراً). غزوة حنين:
وكانت هذه الغزوة في شوال سنة ثمان من الهجرة، وحنين وادي بينه وبين مكَّة ثلاث ليال, وقد بلغ رسول الله "ص" أنَّ هوازن قد جمعت بحنين جمعاً كبيراً تريد غزو المسلمين وقتالهم، فخرج إليهم رسول الله "ص" في جيش عظيم عدَّتهم اثنا عشر ألفاً، فقال بعضهم: ما نُؤتىٰ من قلَّة، فكره رسول الله "ص" ذلك من قولهم, وكان لواء المهاجرين مع عليِّ بن أبي طالب عليهالسلام، ووزَّع بقية الرايات علىٰ قوَّاد الجيش وزعماء القبائل, ويروىٰ عن جابر بن عبد الله الأنصاري، أنَّه قال: «لمَّا استقبلنا وادي حُنين، انحدرنا في وادٍ أجوف حَطُوطٍ، إنما ننحدر فيه انحداراً في عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلىٰ الوادي، فكمنوا لنا في شعابه ومضايقه، قد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطُّون إلَّا والكتائب قد شدَّت علينا شدَّة رجل واحد، فانهزم الناس أجمعون لا يلوي أحد علىٰ أحد, إلَّا أنَّه قد بقي مع النبي "ص" نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته».
وعلىٰ أيِّ الأحوال فلقد اتَّفق المؤرِّخون علىٰ أنَّ عليَّاً عليهالسلام وأكثر بني هاشم ثبتوا مع الرسول "ص" في تلك الأزمة، وعليُّ بن أبي طالب عليهالسلام يذبُّ الناس بسيفه ويفرِّقهم عن رسول الله "ص" كما كانت أكثر مواقفه في الحروب التي مضت، فلم يستطع أحد أن يدنو من النبيِّ "ص" إلَّا جدله بسيفه, وكان رجل من هوازن علىٰ جمل أحمر بيده راية سوداء أمام الناس، فإذا أدرك رجلاً طعنه، ثُمَّ رفع رايته لمن وراءه فاتَّبعوه، فحمل عليه عليٌّ عليهالسلام فقتله، فكانت الهزيمة، فقال رسول الله للعبَّاس: «صِحْ للأنصار» وكان صيِّتاً، فنادىٰ: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمُرة، يا أصحاب سورة البقرة! فأقبلوا كأنَّهم الإبل إذا حنَّت علىٰ أولادها، يقولون: يا لبَّيك يا لبَّيك! فحملوا علىٰ المشركين، فأشرف رسول الله "ص" فنظر إلىٰ قتالهم فقال: «الآن حمي الوطيس»! وهو أول من قالها، ثُمَّ قال:
« أنا النبيُّ لا كذبْ أنا ابن عبد المطلب»
واقتتل الناس قتالاً شديداً, وقيل: إنَّ أمير المؤمنين عليهالسلام قتل منهم أربعين رجلاً، واستشهد من المسلمين أيمن ابن أمِّ أيمن، ويزيد بن زَمعَة بن الأسود بن المطَّلب بن عبد العُزَّىٰ.
أحد عشرة: غزوة تبوك:
كانت غزوة رسول الله "ص" إلىٰ تبوك في رجب سنة تسع من مُهاجره, لمَّا بلغ رسول الله "ص" أنَّ الروم قد جمعت جموعاً كثيرة بالشام؛ لغزو المسلمين في ديارهم، لم يتردَّد في مواجهة تلك الجيوش، فأمر الناس بالتجهُّز لغزو الروم، وأعلم الناس مقصدهم، لبعد الطريق وشدَّة الحرَّ وقوَّة العدو, لذلك يسمىٰ بجيش العسرة، وهي آخر غزوات الرسول, ومضىٰ رسول الله "ص" يسير في أصحابه، حتىٰ قدم تبوك في ثلاثين ألفاً من الناس، والخيل عشرة آلاف, واستعمل علىٰ المدينة علياً عليهالسلام وقال له :(تقيم أو أقيم) «إنَّه لابدَّ للمدينة منِّي أو منك»، «إن المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك».
وهذه هي الغزوة الوحيدة من الغزوات التي لم يشترك فيها عليُّ بن أبي طالب عليهالسلام مع رسول الله "ص" وكان بقاؤه عليهالسلام في المدينة أمر تفرضه مصلحة الإسلام، بعدما ظهر للنبيِّ "ص" من أمر المنافقين، فإنَّ بقاءهم بالمدينة يشكِّل خطراً علىٰ الدعوة, فأرجف المنافقون بعلي عليهالسلام وقالوا: ما خلَّفه إلَّا استثقالاً له! فلمَّا سمع عليٌّ عليهالسلام ذلك أخذ سلاحه ولحق برسول الله "ص" ، فأخبره ما قال المنافقون، فقال: «كذبوا، وإنَّما خلفتك لما ورائي، أما ترضىٰ أن تكون منِّي بمنزلة هارون من موسىٰ ؟ إلَّا أنَّه لا نبيَّ بعدي», فقال: «قد رضيت، قد رضيت», ثُمَّ رجع إلىٰ المدينة وسار رسول الله بجيشه, وفي رواية الشيخ المفيد أنَّ رسول الله "ص" قال له: «ارجع يا أخي إلى مكانك، فإن المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك، فأنت خليفتي في أهلي ودار هجرتي وقومي، أما ترضىٰ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسىٰ، إلّا إنّه لا نبيّ بعدي», وجاء في طبقات ابن سعد أنَّه قال: أخبرنا الفضل بن دُكين، قال: أخبرنا فضل بن مرزوق عن عطية، حدَّثني أبو سعيد، قال: غزا رسول الله "ص" غزوة تبوك وخلَّف عليَّاً في أهله، فقال بعض الناس: ما منعه أن يخرج به إلَّا أنَّه كَرِهَ صحبته، فبلغ ذلك عليَّاً فذكره للنبي "ص"، فقال : «يا ابن أبي طالب، أما ترضىٰ أن تنزل منَّي بمنزلة هارون من موسىٰ», وفي إحدىٰ الروايات: قال: فأدبر عليٌّ مسرعاً، كأنِّي أنظر إلىٰ غبار قدميه يسطع, وبلا شكٍّ لقد قال النبيُّ "ص" لعليٍّ عليهالسلام هذه المقالة، وقد استخلفه في المدينة وكشف عن منزلته منه، وعن منزلته بعده "ص" أمّا لماذا راجع عليٌّ عليهالسلام رسول الله "ص" في أمر استخلافه في المدينة فالأصح والأنسب «أن يكون عليٌّ عليهالسلام قد عزَّ عليه أن تفوته معركة من معارك الإسلام، لاسيما وأنَّه يتَّجه إلىٰ عدوٍّ يفوق المسلمين بعدده وعتاده عشرات المرَّات، فكان يتمنَّىٰ أن يبقىٰ إلىٰ جانبه يفديه بنفسه وروحه، كما كان يصنع في بقية المعارك، وعندما أشعر النبي "ص" ذلك أجابه بتلك الكلمات التي اتَّفق عليها المؤرِّخون والمحدِّثون».
أثنا عشرة: معركة النهروان:
المعروفة بوقعة الخوارج، وحصلت الوقعة سنة ٣٧هـ, لمَّا بلغ عليَّاً عليه السلام قتل «المحكِّمة» لعبد الله بن خباب بن الأرت واعتراضهم الناس، وقتلهم مبعوث الإمام إليهم، قال المسلمون الذين معه: يا أمير المؤمنين علامَ ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا؟ سر بنا إلىٰ القوم، فإذا فرغنا منهم سرنا إلىٰ عدوِّنا من أهل الشام, فرجع عليهالسلام بجنده الذين ذعروا علىٰ أهليهم من خطر الخوارج، والتقت الفئتان في النهروان، فلم يبدأهم الإمام عليهالسلام بحرب، حتىٰ دعاهم إلىٰ الحجَّة والبرهان، فبعث إليهم ابن عبَّاس أمامه، فناظرهم بالحجَّة والمنطق السليم، لكنَّهم أصرُّوا علىٰ العمىٰ والطغيان! ثُمَّ تقدَّم الإمام عليهالسلام، وذكَّرهم نهيه عن قبول التحكيم وإصرارهم عليه، حتىٰ لم يبقَ لديهم حجَّة، وحتىٰ رجع أكثرهم وتاب، وممَّن رجع يومذاك إلىٰ رشده : عبد الله بن الكوَّا أمير الصلاة فيهم, وأبىٰ بعضهم إلَّا القتال!
وتعبأ الفريقان، ثمَّ جاءت الأنباء أنَّ الخوارج قد عبروا الجسر، فقال عليهالسلام : «والله ما عبروا، ولا يقطعونه، وإنَّ مصارعهم لدون الجسر »، ثُمَّ ترادفت الأخبار بعبورهم وهو عليهالسلام يحلف أنَّهم لن يعبروه وأنَّه «والله لا يفلتُ منهم عشرة، ولا يهلك منكم عشرة »! فكان كلُّ ذلك كما أخبر به الإمام عليٌّ عليهالسلام، فأدركوهم دون النهر، فكبَّروا، فقال الإمام عليهالسلام: «والله ما كذبتُ ولا كُذبت».
وكان عليٌّ عليه السلام قد قال لأصحابه: كُفُّوا عنهم حتىٰ يبدأوكم، فتنادوا: الرواح إلىٰ الجنَّة! وحملوا علىٰ الناس, واستعرت الحرب، واستبسل أصحاب الإمام عليه السلام استبسالاً ليس له نظير، فلم ينجُ من الخوارج إلَّا ثمانية فرُّوا هنا وهناك، ولم يُقتل من أصحاب الإمام عليه السلام غير تسعة، وقيل: سبعة.
وانجلت الحرب بانجلاء الخوارج وهلاكهم، وقد روىٰ جماعة أنَّ عليَّاً عليه السلام كان يحدِّث أصحابه قبل ظهور الخوارج، أنَّ قوماً يخرجون ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة، علامتهم رجل مُخدَج اليد، سمعوا ذلك منه مراراً.
فقال الإمام عليه السلام: «اطلبوا ذي الثُديَّة»، فقال بعضهم: ما نجده، وقال آخرون: ما هو فيهم، وهو يقول: «والله إنَّه لفيهم! والله ما كذبتُ ولا كُذبتُ» وانطلق معهم يفتِّشون عنه بين القتلىٰ حتىٰ عثروا عليه، ورأوه كما وصفه لهم، قال: «الله أكبر، ما كذبتُ ولا كُذبت، لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قصَّ الله علىٰ لسان نبيِّه "ص" لمن قاتلهم، مستبصراً في قتالهم، عارفاً للحقِّ الذي نحن عليه», وقال عليهالسلام حين مرَّ بهم وهم صرعىٰ: «بؤساً لكم! لقد ضرَّكم من غرَّكم»! قالوا: يا أمير المؤمنين مَنْ غرَّهم؟ قال: «الشيطان وأنفسٌ أمَّارة بالسوء، غرَّتهم بالأماني، وزيَّنت لهم المعاصي، ونبَّأتهم أنَّهم ظاهرون», فقالوا: الحمد لله ـ يا أمير المؤمنين ـ الذي قطع دابرهم، فقال عليهالسلام: «كلا والله، إنَّهم نطف في أصلاب الرجال، وقرارات النساء»!