- فتح خيبر:
في موقفٍ آخر لا يقبل الشّك في تفرّد عليّ بالقوّة والشّجاعة من بين كلّ أصحاب الرّسول، حادثة فتح خيبر وإخفاق العديد من صحابة النّبي المقرّبين في كسر شوكة أهل خيبر، والدّخول عليهم، وقد تمترسوا بحصنهم المنيع، واستبسلوا في رد جيش المسلمين، حتّى يأس النّاس من الفتح، وتعاظم الحماس في معسكر اليهود، وبدأوا ينشدون أناشيدهم التلموديّة، فوصلت إلى مشارف المدينة ابتهاجاً بما حققوه، وقد روى الشّيخان، وابن هشام والنيسابوري والهيثمي وابن حنبل والمتقي الهندي والحافظ، أن رسول صلى الله عليه وسلّم قال: "لأسلّمن الرّاية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله ويفتح الله على يديه"، وقد اشتهى أكابر الصّحابة الإمارة يومها، لكنّ المقام مرتهن لشخص واحدٍ فقط، هو عليّ بن أبي طالب، الذي نال البركة من رسول الله بعد أن مسح على عينيه مزيلاً الرّمد منهما، وعقد له اللواء بيديه الشريفتين وسط غبطة الصّحابة لهذا الفارس الهمام، الذي ما إن تسلّم زمام الأمر حتّى رجحت كفّة المسلمين، واستطاعوا تحقيق النّصر في سويعات.
ناهيك عن بطولة اسطوريّة أخرى تجلّت في تلك الموقعة، وقد حاول أعداء أمير المؤمنين وحسّاده طمسها، ولكن هيهات، فقد روى الحسين بن محمد ابن الحسن التيار بكري في تاريخه الخميس في أحوال أنفس النفيس، والحافظ الطبري في ذخائر العقبى، وأحمد في مسنده، وابن عبد البر في الدرر، والذهبي في تاريخ الإسلام، وابن كثير في البداية والنهاية وفي السيرة النبوية، وابن هشام في السيرة النبوية، والخوارزمي في المناقب، والقندوزي في ينابيع المودة، ومحمد بن يوسف الصالحي الشامي في كتاب سبل الهدى والرشاد، جميعهم اتّفقوا على أن عليّاً -عليه السّلام- بعدما جندل مرحباً الخيبري على أبواب الحصن (وهو فارس مصيّت لا يقلّ شجاعةً عن عمرو بن ودّ العامري)، وسبعةً آخرين لحقوا به لمؤازرته، فقد عليه السّلام ترسه، فما كان منه إلا أن انطلق إلى باب الحصن الحديدي، فخلعه من مكانه، وبدأ يتّقي به سهام اليهود المنطلقة من الحصن. تقول الرّوايات أن هذه البطولة الأسطوريّة ألهبت حماس المسلمين فدخلوا الحصن وأنهو مقاومة حاميته خلال سويعات قليلة.
فإذا فتّشنا على قصّةٍ مشابهة لتلك البطولة النّادرة، فإننا لن نجد لها شبيهاً إلا في العهد القديم في قصّة شمشون الذي هدم المعبد على أعداءه، تلك البطولات النّادرة لا تكون إلا لأشخاص معينين، مختارين من قبل الله عزّ وجلّ لأداء مهمّة معينة، فكان عليّ عليه السّلام هو المختار لتلقّي هذا الفيض الإلهي يوم خيبر، لخلع باب لم يستطع عشرة رجال رفعه (على حد قول أكثر الرّوايات اعتدالاً) ... يتبع