- يوم بدر:
مضت السّنتان الأوليان على المسلمين في المدينة بكل ما حملتهما من مضايقات قريش لهم، وتواتر الأخبار عن مصادرة أموال المهاجرين، والتّرصّد للمسلمين على كلّ درب، وتأليب القبائل العربيّة على الدّولة النّاشئة، إلى أن جاءت الفرصة أخيراً، ونزل الوحي المبارك بالإذن الإلهي بقتال المشركين، فالبدء بالقتال -أي قتال- أمر بالغ الخطورة في الإسلام، وهو يُخرج الإنسان من الحالة العباديّة المحضة لله تعالى إن لم يكن بإذن شرعي، ومنهجيّة واضحة، وقضيّة محقّة. حين نزل قول الله تعالى "أُذن للذين يُقاتلون بأنّهم ظُلموا وأنّ الله على نصرهم لقدير"، تأهّب المسلمون تغمرهم الحماسة والبشر بوعد الله بالنّصر، وتوجّهوا إلى آبار بدر ليلاقوا قافلة قريش بقيادة أبي سفيان، لكنّهم فوجئوا هناك بجيش جرار للمشركين يفوقهم عدداً وعدةً بأضعاف، وجرت تقادير الله بأن يتمّ الأمر، وأخذت قريشاً العزّة بالإثم، وغرّها جمعها، ولم تستمع لنصيحة عتبة بن ربيعة بالعودة، واتّهمته بالجبن، إلى أن استقرّ الأمر في النّهاية، وأجمعت قريش على أن الفرصة مواتية للانتهاء من أسطورة محمّد صلى الله عليه وسلّم إلى الأبد.
صباح اليوم التّالي لالتقاء الفئتين، وفي محاولةٍ منه لنفي صفة الجبن عنه، خرج عتبة بن ربيعة وابنه الوليد ومعهما أخوه شيبه بن ربيعة، فنادى في جمع المسلمين: "هل من مبارز؟"، فخرج لهم نفر من الأنصار، فأنكرهم عتبة، وصاح: "يا محمّد، أخرج لنا نظراءنا من قومنا"، فأعادهم الرّسول، وأمر علياً، وعمّه الحمزة بن عبد المطّلب، وابن عمّه عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فخرجوا لمبارزة المشركين، فكان الوليد بن عتبة مقابل علي، وعتبة مقابل الحمزة، وشيبة مقابل عبيدة. بدأت المبارزة والقلوب بلغت الحناجر من الحماسة والرّهبة والتّرقب، غير أنّ علياً لم يلبث أن أثلج صدور المسلمين بضربة واحدة لم يثنّيها جندلت الوليد (الذي هرب من عليّ قبل سنتين حين كان مع الفواطم)، فها هو يُقتل اليوم بسيف عليّ في بدر، ثمّ هوى عتبة بعد ابنه صريعاً بسيف الحمزة، بينما اختلف عبيدة وشيبة بضربتين قبل أن يُجهز عبيدة على خصمه. كبّر المسلمون مبتهجين بالنتيجة، فما كان من أبي جهلٍ إلا أن أمر فرسانه الثلاثمائة بالهجوم الكاسح على المسلمين الرّاجلين، فثبت المسلمون في صفٍ كالبنيان المرصوص، لم يرهبهم وقع حوافر الخيل على الحصباء، طالما أن حامل لواءهم عليّ واقف بينهم كالأسد الهصور، فقاتلوا قتالاً أسطورياً، وقتلوا سبعين مشركاً في ذاك الهجوم كما روى الطّبري، وابن عبد البر المالكي، وابن عساكر، وأنّ لعلي حصّة الأسد في أولئك القتلى، فما وقع سيفه على أحدٍ إلا صرعه، فكان النّصر المؤزر وانهزمت قريش، وأُسر سبعون رجلاً منهم أيضاً.
في تحليل بسيط لمجريات المعركة، نرى أنّ جيش المسلمين المتسلّحين ببضعة سيوف ورماحٍ وفؤوس فلاحة، راجلين، حفاةً عراةً من أيّة دروعٍ تقيهم بأس المشركين، بينما في المقابل كانت قريش في أعظم عدّة وعتاد، الأمر الذي استوجب بالتّأكيد شجاعة مطلقة لتحقيق ذاك النّصر. تقول الرّوايات أنّ علياً قتل تسعةً وعشرين مشركاً وحده، جلّهم من بني أميّة، مع ما يتطلّبه هذا الأمر من شجاعةٍ وإقدام، ففي تلك الأيّام كانت القبليّة والعشائريّة هي القانون الأقوى المسيطر على المجتمع، فأن يتحمّل فتىً وحده عبء نقمة عشيرةٍ هي من أغنى وأعزّ عشائر العرب، لهو شيء عظيم، تحمّله عليٌّ بكل حماسةٍ وإقدام، غير هيّابٍ للنتائج عبر العصور مهما كانت، مادامت في رضى الله ورسوله الكريم... يتبع