عن شجاعة الامام (ع) الجزء الثاني

2020.07.13 - 11:09
Facebook Share
طباعة

 مكث عليّ ثلاثاً في مكّة بعد خروج الرّسول منها، وأرسل منادياً ينادي بالأبطح (مكان في مكّة)، "من كان له أمانة عند النّبيّ، فليأت ليأخذها".


رجل وحيد ضمن بيئة معادية أشدّ العداء، وينادي جهاراً نهاراً، إنني هنا وحدي لتنفيذ مشيئة من ساعدته على الهرب من سطوتكم، وتحديت إرادة كباركم وساداتكم، أنا الفتى علي بن أبي طالب موجود رغماً عنكم، أنا في مقابل مجتمع كامل!


طبعاً أتمّ عليّ مهمّته، لكن بقيت أغلى أمانات رسول الله عنده، ألا وهي حريمه ونساء بيته. وقد خرج بهنّ قاصداً يثرب، فلمّا علمت قريش بذلك استشاطت غيظاً، وطلبت إدراكه وإعادة النّساء إلى مكة بأيّ ثمن، إذ أنّ خسارتهم لرهائن كـ "نساء الرّسول" يضاهي في فداحته خروج الرّسول من بين ظهرانيهم.


كانت الأوامر للوليد بن عُتبة ومعه عشرة فرسان، أن عُد بالنّسوة مهما كلّف الأمر، واقتل علياً ونحن نكفيك من تبقّى من بني هاشم في مكة. وكان قد بقي في مكة فرع أبي لهب، والأسود بن عبد المطلب، والعباس، وكانوا لا يزالون على دين قريش.


بان لعليّ غبار الخيول تتعقبهم من بعيد، فطلب من ابن أبي رافع (وكان رفيقه في تلك الرّحلة) أن يلزم الإبل ويأخذ بزمامها، فلا تجفل فتخيف النّسوة، وأمره ألا يتدخّل في أيّ قتالٍ ينشب بينه وبين الفرسان، وأن يلزم النّسوة ولا يفارقهن تحت أي ظرفٍ إن حدث له مكروه أو قُتل.


وقف عليّ وحده للفرسان العشر وكان راجلاً، فتح يديه مومئاً للخيل أن تتوقف، فامتثل الفرسان وتولّى ابن عُتبة الكلام، حاول في البداية إغراء عليّ بالعودة وأنّ مقامه محفوظ، وأنّ النّسوة لهنّ مقام كريم في قريش ولن يلقين إلا أفضل معاملة، وأنّ خروجهن هكذا لا يليق بمقام قريش التي سوف يلومها العرب على ذلك. غير أنّ علي أجاب جواباً قاطعاً: "لقد أمرني رسول الله أن أسوق ظعنه إلى يثرب، ولن يكون غير ذلك يا ابن عُتبة"، اشتدّ غضب ابن عُتبة، فقال مهدداً: "انظر يا ابن أبي طالب، نحن عشرة فرسان وأنت وترٌ، ولا قبل لك بنا، ولسنا نرغب في إهراق دمك، فعد بالنّسوة إلى مكّة واكفنا قتلك"


هنا شهر الإمام سيفه، وأعاد القول مؤكداً "قد سمعت مقالتي يا ابن عتبة، الظعن ستكمل إلى يثرب، ودونكم سيفي هذا، والله مولاي وناصري"، عندها فاض بابن عتبة الأمر، فأمر الفرسان الذين استّلوا سيوفهم، ووكزوا خيولهم قاصدين علياً، فدارت معركة اختصرها عليّ بسرعة وبسالةٍ أعجزت الفرسان أن يصلوا إلى مبتغاهم، مما أوقع الرّعب في نفوسهم، فأمرهم قائدهم أن يعودوا أدراجهم وقد قٌتل منهم فارس وجُرح آخر.


أكمل عليّ مسيرته إلى قباء حيث كان النّبي صلى الله عليه وسلّم بانتظاره رغم إلحاح أبي بكر (رض) عليه أن يغادرا،


إنّها لعمري شجاعة أسطوريّة، إنّها شجاعة من وعى الإيمان بقلبه فأمدّه الله بمدده.... يتبع

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى