جورج جرداق والامام علي (ع) (جزء 2)

2020.08.24 - 10:06
Facebook Share
طباعة

لان الامام علي بن ابي طالب قد تعرض للظلم، فلا نبي في قومه، فان الادباء ينصفونه، ولان الشعر من الادب، والايمان من العلم، والعلم من الله تعالى، وهو اله كل البشر ومحبته مثل الشمس جل وعلى تنير البر والفاجر، كذا هي محبة المؤمنين بالانسان للامام علي بن ابي طالب، ومن ذلك الحب المشع كنور شمس من افضل العقول البشرية ولدت موسوعة (الإمام علي صوت العدالة الإنسانية) المكوّنة من خمسة أجزاء للشىاعر والاديب العملاق، وللفيلسوف المعترف به ان من فطاحل القرن العشرين الاستاذ جورج جرداق.
 
" لكأنما جورج جرداق صائد كنوز، ولكأن فلسفة الامام كنز مخفي، لم يكتشفه كثيرون ولم ينتبه الى ما فيه من فكر انساني بعيد جدا عن العصبية القبائلية والعشائرية الطائفية بوجد الباحث عن الكنز سر الكنز الدفين فولدت معجزة تقديم الجوانب الانسانية في فكر الامام علي بن ابي طالب احد ابرز رموز الاسلام بكل فئاته على يد واحد من ابرز شعراء المسيحية في الشرق العربي.
 
فما بين أواخر الخمسينات ومطلع ستينات القرن العشرين ولدت الاجزاء الخمسة التي كتبها عاشق الامام جورج جرداق، وضم لها المؤلف لاحقا جزءًا سادسًا بعنوان (روائع نهج البلاغة).
 
ومما قيل في جورج جرداق ان مؤلفه طرق أبوابًا جديدة لم يسبقه إليها أحد تقريبًا لا قبله ولا بعده، خارجًا بذلك عن النسق المألوف، متخطيًّا ما كان سائدًا، فلم يسبقه أحد آنذاك في الحديث عن قضايا من قبيل العلاقة بين الإمام علي وحقوق الإنسان، والعلاقة بين الإمام والثورة الفرنسية، وكذلك العلاقة مع الفيلسوف اليوناني الشهير سقراط (470-399 ق.م).
 
وقد فتح جرداق بما كتبه أبوابا فكرية كانت مغلقة قبله، مقدمًا إسهامًا فكريًّا جادًّا ومهمًّا بات يمثل مرجعًا لا غنى عنه لمن يبحث في فلسفة الامام.
 
وقد وجد جرداق ان الحديث عن الامام مرتبط دوما بالاحداث التاريخية، فأراد أن يفك هذا الحصار عن الإمام مقتحمًا عالم امير المؤمنين مبينا انه قد سبق ب اربعة عشر قرنا فكر الاصلاحيين المسمى بالفكر الانساني الحديث.
 
وقد أقدم جرداق على هذه الخطوة منطلقًا من قناعة راسخة ترى أن الإمام ليس للشيعة ولا للمسلمين أو المسيحيين، وإنما هو للإنسانية كافة، و أن الامام ليس لعصر من العصور الإنسانية فحسب، وإنما لكل العصور الممتدة من الأزمنة القديمة إلى هذه الأزمنة الحديثة وما بعدها.
 
ولولا هذا المنظور الإنساني العام الذي اكتشفه جرداق في شخصية الإمام وفكره وأدبه، لما أولاه كل هذا الاهتمام الذي تجلى في كتابه الموسوعي مدوّنًا أكثر من ألف صفحة، ولما تعلّق به كل هذا التعلق الذي بقي مستمرًّا ولم ينقطع منذ عرفه صغيرًا، وظل معه وعرف عند الآخرين بعاشق الإمام، وهو الوصف الذي اختارته صحيفة النهار اللبنانية عند رحيله.
 
فالإمام عند جرداق هو عملاق الضمير الإنساني، وعده من العبقريات الكبرى في التاريخ، ومن آباء الإنسانية الكبار، وصوت العدالة الإنسانية التسمية القوية التي اختارها عنوانًا لكتابه الكبير.
 
وقد رأى الأديب اللبناني مخائيل نعيمة (1889-1988م) أن كتاب جرداق احتوى على اجتهادات جديدة في تفسير بعض الأحداث التي رافقت حياة الإمام، تفسيرًا يغاير النمط الذي درج عليه مؤرخوه حتى اليوم[.
 
أما التاريخ الأوروبي، فقد حضر وتركز في الجزء الثاني عند الحديث عن علي والثورة الفرنسية، إذ افتتحه جرداق بحديث موسع عن تاريخ الإنسانيات القديمة والمتوسطة والحديثة وكيف تطورت في التاريخ الأوروبي حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم في النهوض بقضايا العدالة والحريات وحقوق الإنسان. في حين ان ما دعت اليه الثورة الفرنسية ومفكريها من اصلاحات فيما يتعلق ب حقوق الانسان كان الامام قد سبقهم اليه قبل 14 قرنا من الزمان او يكاد.
 
وحول جرداق وما كتبه قال الأديب اللبناني الشيخ سليمان ظاهر (1290-1380هـ/1873-1960م)
 
«لا نغالي إذا قلنا إن هذا الكتاب من خيرة إنتاج الفكر العربي واللبناني في مختلف العصور، وحسبه ميزة عن كل ما كتب في موضوعه قديمًا وحديثًا، من عصر الجاحظ وابن أبي الحديد وميثم البحراني ومن لا يحصى بعدهم، أنه الكتاب الوحيد بين مئات الكتب المؤلفة في حياة الإمام العظيمة الذي يدهشك.
 
إن للمؤلف الحكيم في دراسته العميقة هذه، قيمًا يبرز بها على كل من تناول هذا البحث من علماء العرب وحكمائهم على اختلاف الملل والنحل قديمًا وحديثًا، ومن علماء الفرنجة المعروفة دراستهم بدقه النظر»[
 
وأشاد به كذلك وميزه ورفع من مكانته، العالم اللبناني الشيخ محمد جواد مغنية (1322-1400هـ/1905-1979م) متحدثًا عنه مرات عدة، إذ كتب عنه قائلًا: «قرأت هذا السفر مرارًا كثيرة ولا أزال، فشعرت وأنا أقرؤه أني اكتشفت كنزًا فوق الكنوز مجتمعة، فلقد كتب السلف والخلف عن شخصية الإمام ولا يسعك إلَّا أن تقف موقف التواضع والإكبار مما كتبوا وألفوا، ولكن أين كل ما كتبه الأولون والآخرون بما فيهم عباس محمود العقاد وطه حسين مما كتبه الأديب اللبناني الشاب الأستاذ جرداق الذي يدهشك بسحر البيان، وقوة العلم، وعظمة الفن، حتى يستولي عليك ويسيطر على عقلك وشعورك فلا تعود تشعر إلَّا بالكاتب والكتاب.
 
إن قلمي ليعجز عن وصف هذا الكتاب العظيم والسفر الخالد، كما يعجز عن بلوغ الثناء على مؤلفه كما يليق بفنه الأصيل، وعلمه الغزير، وفهمه العميق».
 

 

وتناغمًا مع هذا المنحى جاء انطباع المؤرخ اللبناني السيد حسن الأمين (1908-2002م) الذي كتب عن صديقه قائلًا، إن «أول ما يروعك من كتاب الإمام علي هو هذا البيان القوي المتدفق الأصيل الذي يضع جورج جرداق في القمة بين أدباء العربية، وحين توغل في الكتاب يخيل إليك أن أحدًا من المفكرين لم يكتب عن علي قبل اليوم، وأن كتابًا قبل هذا الكتاب لم يوضع عن ابن أبي طالب، وإلَّا فأين كانت هذه الصور المشرقة التي جلَّاها قلم جورج جرداق المبدع الخلَّاق، وأين كانت هذه الكنوز الخبيئة التي كشف عنها بيان جرداق الساحر؟!».
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى